فنرى صاحب رسالة الأصول والفروع بعد بيان عقيدة التثليث، يقول:"قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا، ونرجو أن نفهمه فهماً أكثر جلاء في المستقبل، حين ينكشف لنا الحجاب عن كل ما في السماوات وما في الأرض، وأما في الوقت الحاضر ففي القدر الذي فهمناه كفاية"أي أن عقيدة التثليث لا يمكن أن تنكشف للنفس على وجهها إلا يوم تتجلى كل الأشياء لها يوم القيامة، وذلك حق، فإنهم لا يعلمون حقيقتها إلا يوم يحاسبهم الله عليها.
ولماذا شغف النصارى بذكر التوحيد بجوار التثليث، أو على الأقل يجتهد بعضهم في بيان إنه لا منافاة بينهما؟ لعل الذي يدفعهم إلى ذلك هو اعتبارهم التوراة كتاباً مقدساً عندهم، وهي تصرح بالتوحيد، وتدعو إليه، وتحث عليه، وتنهي عن الشرك بمل شعبه، وكل أحواله، بل تدعو إلى البراءة من المشركين أينما كانوا، وحيثما تقفوا.
فهم يجتهدون أولاً في أن يستنبطوا من نصوصها ما يحملونه على الإشارة إلى التثليث، كعبارة"كلمة الله"أو عبارة"روح القدس".
وثانياً: يحاولون أن يرجعوا التثليث إلى الوحدانية، لتلتقي التوراة مع الإنجيل فيقربوا التوراة إليهم بتحميل عباراتها ما لا تحتمل، ويقربوا عقائدهم من التوراة بتضمين ثالوثهم معنى التوحيد، وإن كان هو أيضاً لا يحتمل ذلك، ولعل ذلك تتميم للفلسفة الرومانية التي كانت تحاول الجمع بين مسيحية المسيح عليه السلام، ووثنية الرومان، وتوراة اليهود بما تحمل من وحدانية ظاهرة لا شبة فيها، إلا التجسيد، لو ما يوهمه في بعض عباراتها.