قَوْله تَعَالَى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}
فِيهِ أَمْرٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ بِالْعَمَلِ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ؛ لِأَنَّ إقَامَتَهُمَا هُوَ الْعَمَلُ بِهِمَا وَبِمَا فِي الْقُرْآنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} حَقِيقَتُهُ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، فَكَانَ خِطَابًا لَهُمْ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى آبَائِهِمْ فِي زَمَانِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ.
وقَوْله تَعَالَى: {لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ} مُقْتَضَاهُ: لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ الْحَقِّ حَتَّى تَعْمَلُوا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ.
وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ شَرَائِعَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ مَا لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ ثَابِتُ الْحُكْمِ مَأْمُورٌ بِهِ وَأَنَّهُ قَدْ صَارَ شَرِيعَةً لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا أُمِرُوا بِالثَّبَاتِ عَلَيْهِ وَالْعَمَلِ بِهِ.