الفعل بالقياس إلى ما يغرّه من الأفعال، لكن لا باعتبار النفي والإثباتِ معاً في خصوصية، فإن ذلك غيرُ ممكن قطعاً، بل باعتبار النفي فيما يتضمّنه من مُطلق الفعل، والإثباتِ فيما يقارنه من المعنى المخصوص، فإنّ كلَّ فعلٍ من الأفعال الخاصَّةِ كنصر مثلاً ينحلّ عند التحقيق إلى معنىً مطلقٍ هو مدلولُ لفظِ الفعل وإلى معنىً خاصَ يقوم به فإن معناه فعَلَ النصْرَ، يُرشدك إلى ذلك قولُهم: فلانٌ يُعطي ويمنع بمعنى يفعل الإعطاء والمنع، فموردُ القصر في الحقيقة ما يتعلقُ بالفعل بتوجيه النفي إلى الأصل والإثباتِ إلى القيد، كأنه قيل: ما أفعلُ إلا اتباعَ ما يوحى إليّ مِنْ غير أن يكون لي مدخَلٌ ما في الوحي أو في الموحى بطريق الاستدعاء، أو بوجهٍ آخرَ من الوجوه أصلاً.
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الأعمى والبصير} مثل للضال والمهتدي على الإطلاق، والاستفهام إنكاري والمراد إنكارُ استواءِ مَنْ لا يعلم ما ذُكر من الحقائق ومن يعلمُها وفيه من الإشعار بكمالِ ظهورِها ومن التنفير عن الضلالِ والترغيب في الاهتداء ما لا يخفى، وتكريرُ الأمر لتثنية التبكيتِ وتأكيدِ الإلزام، وقوله تعالى: {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} تقريعٌ وتوبيخٌ داخلٌ تحت الأمر، والفاء للعطف على مقدَّر يقتضيه المقام، أي ألا تسمعون هذا الكلامَ الحقَّ فلا تتفكرون فيه، أو أتسمعون فلا تتفكرون فيه، فمناطُ التوبيخِ في الأول عدمُ الأمرَيْنِ معاً، وفي الثاني عدم التفكر مع تحقق ما يُوجبه. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 3 صـ}