[من روائع الأبحاث والمواعظ]
قال الحارث المحاسبي:
واستجلب الصدْق بمباحث الصدْق فِي مَوَاطِن التفكر
قَالَ الله عز وَجل {وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيم ملكوت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وليكون من الموقنين}
وَاعْلَم أَن كل عقل لَا يَصْحَبهُ ثَلَاثَة أَشْيَاء فَهُوَ عقل مكار إِيثَار الطَّاعَة على الْمعْصِيَة وإيثار الْعلم على الْجَهْل وإيثار الدّين على الدُّنْيَا وكل علم لَا يَصْحَبهُ ثَلَاثَة أَشْيَاء فَهُوَ مزِيد فِي الْحجَّة كف الْأَذَى بِقطع الرَّغْبَة وَوُجُود الْعَمَل بالخشية وبذل الْإِنْصَاف بالتباذل وَالرَّحْمَة.
وَاعْلَم أَنه مَا تزين أحد بزينة كالعقل وَلَا لبس ثوبا أجمل من الْعلم لِأَنَّهُ مَا عرف الله إِلَّا بِالْعقلِ
وَلَا أطيع إِلَّا بِالْعلمِ
وَاعْلَم أَن أهل الْمعرفَة بِاللَّه بنوا أصُول الْأَحْوَال على شَاهد الْعلم وتفقهوا فِي الْفُرُوع أَلا ترى لقَوْل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(من عمل بِمَا علم وَرثهُ الله علم مَا لم يعلم)
وعلامة ذَلِك هُوَ تزايد الْعلم بالإشفاق ومزيد الْعلم بالاقتدار فَكلما ازْدَادَ علما ازْدَادَ خوفًا وَكلما ازْدَادَ عملا ازْدَادَ تواضعا
وَالْأَصْل الَّذِي بنوا بِهِ فِي طريقهم الْتِزَام الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر بِالصّدقِ وَتَقْدِيم الْعلم على حظوظ النُّفُوس والاستغناء بِاللَّه عَن جَمِيع خلقه
فاطلب آثَار من زَاده الْعلم خشيَة وَالْعَمَل بَصِيرَة وَالْعقل معرفَة فَإِن حجبك عَن منهاجهم فقد الْأَدَب فَارْجِع بالذم على نَفسك وَلنْ يخفى على أهل الْعلم صفة المخلصين
وَاعْلَم أَن فِي كل فكرة أدبا وَفِي كل إِشَارَة علما وَإِنَّمَا يُمَيّز ذَلِك من فهم عَن الله عز وَجل مُرَاده وجنى فَوَائِد الْيَقِين من خطابه
وعلامة ذَلِك فِي الصَّادِق إِذا نظر اعْتبر وَإِذا صمت تفكر وَإِذا تكلم ذكر وَإِذا منع صَبر وَإِذا أعطي شكر وَإِذا ابْتُلِيَ اسْترْجع وَإِذا جهل عَلَيْهِ حلم وَإِذا علم تواضع وَإِذا علم رفق وَإِذا سُئِلَ بذل شِفَاء للقاصد وَعون للمسترشد حَلِيف صدق
وكهف بر قريب الرِّضَا فِي حق نَفسه بعيد الهمة فِي حق الله تَعَالَى
نِيَّته أفضل من عمله وَعَمله أبلغ من قَوْله موطنه الْحق ومعقله الْحيَاء ومعلومه الْوَرع وَشَاهده الثِّقَة لَهُ بصائر من النُّور يبصر بهَا وحقائق من الْعلم ينْطق مِنْهَا وَدَلَائِل من الْيَقِين يعبر عَنْهَا