وَإِنَّمَا يواصل بذلك من جَاهد لله تَعَالَى نَفسه واستقامت لطاعته نِيَّته وخشي الله فِي سره وعلانيته وَقصر الأمل وشمر مئزر الحذر وأقلع برِيح النجَاة فِي بَحر الابتهال
فأوقاته غنيمَة وأحواله سليمَة لم يغتر بزخرف دَار الْغرُور وَلم يَله ببريق سراب نسيمها عَن أهوال يَوْم النشور
وَاعْلَم أَن الْعَاقِل لما صَحَّ علمه وَثَبت يقينه علم أَن لَا ينجيه من ربه إِلَّا الصدْق فسعى فِي طلبه وَبحث عَن أَخْلَاق أَهله رَغْبَة فِي أَن يحيى قبل مماته ليستعد لدار الخلود بعد وَفَاته فَبَاعَ نَفسه وَمَاله من ربه حَيْثُ سَمعه يَقُول {إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة}
فَعلم بعد الْجَهْل وَاسْتغْنى بعد الْفقر وَأنس بعد الوحشة وَقرب بعد الْبعد واستراح بعد التَّعَب فائتلف أمره وَاجْتمعَ همه
فشعاره الثِّقَة وحاله المراقبة أَلا ترى لقَوْل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(اعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك)
يحسبه الْجَاهِل صميتا عييا وحكمته أصمتته ويحسبه الأحمق مهذارا والنصيحة لله أنطقته
ويحسبه غَنِيا وَالتَّعَفُّف أغناه ويحسبه فَقِيرا والتواضع أدناه
لَا يتَعَرَّض لما لَا يعنيه وَلَا يتَكَلَّف فَوق مَا يَكْفِيهِ وَلَا يَأْخُذ مَا لَيْسَ بمحتاج إِلَيْهِ وَلَا يدع مَا وكل بحفظه النَّاس مِنْهُ فِي رَاحَة وَهُوَ من نَفسه فِي تَعب قد أمات بالورع حرصه وحسم بالتقى طمعه وأفنى بِنور الْعلم شهواته
فَهَكَذَا فَكُن ولمثل هَؤُلَاءِ فاصحب ولآثارهم فَاتبع وبأخلاقهم فتأدب فَهَؤُلَاءِ الْكَنْز الْمَأْمُون
بائعهم بالدنيا مغبون وهم الْعدة فِي الْبلَاء والثقات من الأخلاء إِن افْتَقَرت أغنوك وَإِن دعوا الرب لم ينسوك {أُولَئِكَ حزب الله أَلا إِن حزب الله هم المفلحون} . انتهى انتهى {رسالة المسترشدين، للحارث المحاسبي} ...