وعقد رحمه الله تعالى مناظرة بين الحنفاء والصابئة نذكرها كاملة لما حوته من الفوائد والفرائد واللطائف
وهذا نصها:
وقد جري مناظرات ومحاورات بين الصابئة والحنفاء في المفاضلة بين الروحاني المحض وبين البشرية النبوية. ونحن أردنا أن نوردها على شكل سؤال وجواب. وفيها فوائد لا تحصى: قالت الصابئة الروحانيات أبدعت إبداعاً، لا من شيء: لا مادة؛ ولا هيولى، وهي كلها جوهر واحد؛ على صنف واحد وجواهرها أنوار محضة لا ظلام فيها، وهي من شدة ضيائها: لا يدركها الحس؛ ولا ينالها البصر، ومن غاية لطافتها: يحار فيها العقل، ولا يجول فيها الخيال. ونوع الإنسان: مركب من العناصر الأربعة؛ مؤلف من مادة وصورة، والعناصر متضادة ومزدوجة بطباعها: اثنان منها مزدوجان، واثنان مكنها متضادان. ومن التضاد يصدر الاختلاف والهرج، ومن الازدواج يحصل الفساد والمرج. فما هو مبدع لا من شيء؛ لا يكون كمخترع منشئ. والمادة والهيولى سنخ الشر، ومنبع الفساد؛ فالمركب منها ومن الصورة: كيف يكون كمحض الصورة؟، والظلام: كيف يساوي النور؟ والمحتاج إلى الازدواج؛ والمضطر في هوة الاختلاف: كيف يرقي إلى درجة المستغني عنهما؟! أجابت الحنفاء بأن قالت: بم عرفتم معاشرة الصابئة وجود هذه الروحانيات؛ والحس ما دلكم عليه؛ والدليل ما أرشدكم إليه؟. قالوا: عرفنا وجودها، وتعرفنا أحوالها من عاذيمون، وهرمس: شيث، وإدريس عليهما السلام. قالت الحنفاء: لقد ناقضتم وضع مذهبكم: فإن غرضكم في ترجيح الروحاني على الجسماني نفي متوسط البشري؛ فصار نفيكم إثباتاً. وعاد إنكاركم إقراراً. ثم من الذي يسلم أن المبدع لا من شيء أشرف من المخترع من شيء!؟ بل وجانب الروحاني أمر واحد. وجانب الجسماني أمران: أحدهما نفسه وروحه، والثاني حسه وجسده؛ فهو من حيث الروح مبدع بأمر الله تعالى ومن حيث الجسد مخترع بخلقه؛ ففيه أثران: أمري وخلقي: قولي. وفعلي ... فساوى الروحاني بجهة، وفضله بجهة؛ خصوصاً إذا كانت جهته الخلقية ما نقصت الجهة الأخرى: بل كملت وطهرت. وإنما الخطأ عرض