فمن صدّق الرّسل وآمن بقلبه بما جاؤوا به، وأصلح عمله باتباعه إياهم فلا خوف عليهم في المستقبل من عذاب الدّنيا وعذاب الآخرة، ولا هم يحزنون يوم لقاء الله، على ما فاتهم في الماضي، وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدّنيا لأن الله يحفظهم من كلّ فزع، كما قال تعالى: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ، وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ، هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء 21/ 103] ، ولا يحزنون في الدّنيا مثل حزن المشركين في شدّته وطول مدّته، وإنما يصبرون على ما أصابهم، ويلتمسون الأجر عند الله، ويتأملون العوض منه، لأن الله تعالى أرشدهم للشكر عند النعمة والصبر عند النقمة، وتفويض الأمر للخالق، كما قال: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ، وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ [الحديد 57/ 22 - 23] .
ومن كذب بآيات الله التي أرسلنا بها الرّسل، ينالهم العذاب بما كفروا وجحدوا بما جاءت به الرّسل، وخرجوا عن أوامر الله وطاعته، وارتكبوا المنهيّات المحظورات، وكان جزاء كفرهم وفسادهم في الدّنيا بأنواع النّقمة، وفي
الآخرة بألوان الغضب والسّخط في جهنم. أما خير الدّنيا الذي ينعم به الكافر فمتاع قليل، وشيء تافه حقير إذا قورن بخير الآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
الله الذي خلق الخلق، وزوّدهم بمفاتيح المعرفة من السّمع والبصر والعقل، قادر على أن يسلبهم إيّاها، وإذا سلبت من يستطيع تعويضهم عنها؟ لا أمل بغير الله. وإذا عذبوا فجأة أو عيانا ظاهرا بسبب كفرهم ومعاصيهم، فإن عدل الله يقتضي ألا يهلك إلا الظالمين أنفسهم بالشّرك بالله، وينجي المؤمنين الأتقياء من ذلك العذاب.