وعند ذلك يتضح اتصال الآية أعنى قوله: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) إلى آخر الآية بما قبلها من الآيات فإن محصل الآيتين السابقتين أن الذي تقترحونه على من الآيات القاضية بينى وبينكم ليس في مقدرتي ، ولا الحكم الحق راجع إلى بل هو عند ربى في علمه وقدرته ولو كان ذلك إلى لقضى بينى وبينكم وأخذكم العذاب الذي لا يأخذ إلا الظالمين لأن الله يعلم أنكم أنتم الظالمون وهو العالم الذي لا يجهل شيئا أما أنه لا سبيل إلى الوقوف والتسلط على ما يريده ويقضيه من آية قاضية فلان مفاتح الغيب عنده لا يعلمها إلا هو ، وأما أنه أعلم بالظالمين ولا يخطئهم إلى غيرهم فلانه يعلم ما في البر والبحر ويعلم كل دقيق وجليل ، والكل في كتاب مبين .
فقوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) راجع إلى الغيب المطلق الذي لا سبيل لغيره تعالى إليه ، وقوله: (لا يعلمها) (الخ) حال وهو) يدل على أن مفاتح الغيب من قبيل العلم غير أن هذا العلم من غير سنخ العلم الذي نتعارفه فإن الذي يتبادر إلى أذهاننا من معنى العلم هو الصورة المأخوذة من الأشياء بعد وجودها وتقدرها بأقدارها ومفاتح الغيب - كما تبين - علم بالأشياء وهي غير موجودة ولا مقدرة بأقدارها الكونية أي علم غير متناه من غير انفعال من معلوم .
وقوله: (ويعلم ما في البر والبحر) تعميم لعلمه بما يمكن أن يتعلق به علم غيره مما ربما يحضر بعضه عند بعض وربما يغيب بعضه عن بعض ، وإنما قدم ما في البر لأنه اعرف عند المخاطبين من الناس .
وقوله: (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) اختص بالذكر لأنه مما يستصعب الإنسان حصول العلم به لأن الكثرة البالغة التي في أوراق الأشجار تعجز الإنسان أن يميز معها بعضها من بعض فيراقب كلا منها فيما يطرا عليه من الأحوال ، ويتنبه على انتقاصها بالساقط منها إذا سقط .