وبمعونة هذه الإشارة ودلالة قوله في الآية التالية: (فلما جن عليه الليل) الدالة على ارتباط ما بعده بما قبله يظهر أن قوله: (نرى) لحكاية الحال الماضية كقوله تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) (القصص: 5) .
فالمعنى: أنا أرينا إبراهيم ملكوت السماوات والأرض فبعثه ذلك أن حاج أباه وقومه في أمر الأصنام وكشف له ضلالهم ، وكنا نمده بهذه العناية والموهبة وهي إراءة الملكوت وكان على هذه الحال حتى جن عليه الليل وراى كوكبا .
وبذلك يظهر أن ما يتراءى من بعضهم: أن قوله: (وكذلك نرى) الخ ، كالمعترضة لا يرتبط بما قبله ولا بما بعده ، وكذا قول بعضهم: إن إراءة الملكوت أول ما ظهر من أمرها في إبراهيم عليه السلام أنه لما جن عليه الليل راى كوكبا الخ ، فاسد لا ينبغى أن يصار إليه .
وأما ملكوت السماوات والأرض فالملكوت هو الملك مصدر كالطاغوت والجبروت وإن كان آكد من حيث المعنى بالنسبة إلى الملك كالطاغوت والجبروت بالنسبة إلى الطغيان والجبر أو الجبران .
والمعنى الذي يستعمله فيه القرآن هو المعنى اللغوي بعينه من غير تفاوت كسائر الألفاظ المستعملة في كلامه تعالى غير أن المصداق غير المصداق وذلك ان الملك والملكوت وهو نوع من السلطنة إنما هو فيما عندنامعنى افتراضى اعتباري بعثنا إلى اعتباره الحاجة الاجتماعية إلى نظم الأعمال والافراد نظما يؤدى إلى الأمن والعدل والقوه الاجتماعيات وهو في نفسه يقبل النقل والهبة والغصب والتغلب كما لا نزال نشاهد ذلك في المجتمعات الإنسانية .