[من روائع الأبحاث]
ومن فوائد ولطائف ابن القيم:
{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) }
فَجمع لَهُ بَين النُّور والحياة كَمَا جمع لمن أعرض عَن كِتَابه بَين الْمَوْت والظلمة.
قَالَ ابْن عَبَّاس وَجَمِيع الْمُفَسّرين كَانَ كَافِرًا ضَالًّا فهديناه.
وَقَوله {وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} يتَضَمَّن أمورا:
أَحدهَا أَنه يمشي فِي النَّاس بِالنورِ وهم فِي الظلمَة فَمثله وَمثلهمْ كَمثل قوم أظلم عَلَيْهِم اللَّيْل فضلوا وَلم يهتدوا للطريق وَآخر مَعَه نور يمشي بِهِ فِي الطَّرِيق ويراها وَيرى مَا يحذرهُ فِيهَا وَثَانِيها أَنه يمشي فيهم بنوره فهم يقتبسون مِنْهُ لحاجتهم إِلَى النُّور وَثَالِثهَا أَنه يمشي بنوره يَوْم الْقِيَامَة على الصِّرَاط إِذا بَقِي أهل الشّرك والنفاق فِي ظلمات شركهم ونفاقهم.
(فائدة)
وَقَولُهُ جَلَّ وَعَلَا: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا. .}
فَأَحْيَاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِرُوحِهِ الَّذِي هُوَ وَحْيُهُ وَهُوَ رُوحُ الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ، وَجَعَلَ لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ بَيْنَ أَهْلِ الظُّلْمَةِ كَمَا يَمْشِي الرَّجُلُ بِالسِّرَاجِ الْمُضِيءِ فِي الظُّلْمَةِ، فَهُوَ يَرَى أَهْلَ الظُّلْمَةِ فِي ظُلُمَاتِهِمْ وَهُمْ لَا يَرَوْنَهُ كَالْبَصِيرِ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَ الْعُمْيَانِ.
(فصل)
في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته مادة كل شر وفتنة فيه
أصل كل خير وسعادة للعبد، بل لكل حي ناطق: كمال حياته ونوره. فالحياة والنور مادة الخير كله، قال الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ في النّاسِ كَمن مَثَلُهُ فِى الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122] .