قال - رحمه الله:
قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} .
فِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْله تَعَالَى: {أَنْشَأَ} : أَيْ: ابْتَدَأَ الْفِعْلَ مِنْ غَيْرِ احْتِذَاءِ مِثَالٍ؛ وَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ، وَأَوْضَحْنَاهُ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ أَنْشَأَ فِي كُلِّ فِعْلٍ كَانَ عَلَى مِثَالٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْجَنَّاتُ: هِيَ: الْبَسَاتِينُ الَّتِي يَجِنُّهَا الشَّجَرُ، أَيْ: يَسْتُرُهَا؛ وَمِنْهُ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْجِنُّ، لِاجْتِنَانِهِمْ عَنْ الْأَبْصَارِ، وَكَذَلِكَ الْجِنَّةُ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} ؛ سُمُّوا بِذَلِكَ لِاجْتِنَانِهِمْ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تَعَالَى: {مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} يَعْنِي: رُفِعَتْ عَلَى الْأَعْوَادِ، وَصِينَتْ عَنْ تَدَلِّي الثَّمَرِ عَلَى الْأَرْضِ، وَأُظْهِرَتْ لِلْإِدْرَاكِ، وَسَهُلَ جَمْعُهَا دُونَ انْحِنَاءٍ.
وَالْعَرْشُ: كُلُّ مَا ارْتَفَعَ فَوْقَ غَيْرِهِ.
وَقِيلَ: تَعْرِيشُهَا حِيَاطَتُهَا بِالْجُدُرِ، وَمَا قَامَ مَقَامَهَا، حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهَا مَدْخَلٌ لِأَحَدٍ؛ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى فِي الِاشْتِقَاقِ.