[من روائع الأبحاث]
(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
وأمّا تعلق الملحد والقدريّ بقوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ، وقوله: {وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 20] ، وقوله: {وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا} [النحل: 35]
فالجواب عنه أنّ القوم إنّما قالوا ذلك على وجه النفاق واعتقاد خلاف ما يظهرون من هذا القول، وعلى وجه الهزل بالرسول والإنكار لقوله: {وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ} [الأنعام: 137] ، {وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا} [الأنعام: 107] ، {وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها} [السجدة: 13] ، ونحو هذا القول، فقالوا هذا القول على وجه الردّ والإنكار، كما قال سبحانه في ذمّهم بقولهم: {أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} [يس: 47] ، وهذا القول حق لمن قالوه معتقدين لصحّته ولكنّهم قالوا ذلك على سبيل التكذيب للرسول، وكما ذمّ المنافقين بقوله تعالى: {إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ} ، فأكذبهم في قولهم، لأنّهم قالوه نفاقا على غير وجه الاعتقاد لصحّته، ويدلّ على ذلك أنّ القوم كانوا يجحدون الرحمن وينكرونه ولا يعرفون الله سبحانه فيكف يصدّقون بأنّه لو شاء الرحمن ما عبدوهم.