فأي نعيم فوق هذا .. وأي كرم من ربه عليه فوق هذا؟.
إن الرب جل وعلا لا يمنع عبده المؤمن شيئاً من الدنيا، إلا ويؤتيه ما هو أفضل منه وأنفع له، وليس ذلك لغير المؤمن.
فإنه سبحانه يمنعه الحظ الأدنى، ولا يرضى له به، ليعطيه الحظ الأعلى.
ولكن العبد لجهله بربه، وجهله بكرمه، وجهله بحكمته ولطفه، وجهله بمصالح نفسه، لا يعرف التفاوت بين ما منع منه، وبين ما ذخر له، بل هو مولع بحب العاجل وإن كان دنيئاً فانياً، وبقلة الرغبة في الآجل وإن كان علياً باقياً.
ولو تأمل العبد وفكر لعلم أن فضل الله عليه فيما منعه من الدنيا ولذاتها، أعظم من فضله عليه فيما آتاه من ذلك، فما منعه إلا ليعطيه، ولا ابتلاه إلا ليعافيه، ولا أماته إلا ليحييه، ولا أخرجه إلى هذه الدار إلا ليتأهب للقدوم عليه، ويسلك الطريق الموصلة إليه.
وقد ركب الله سبحانه في الإنسان قوتين: هما الشهوة والغضب.
وهاتان القوتان بمنزلة صفاته الذاتية لا ينفك عنهما، وبهما وقعت المحنة والابتلاء، وبهما ينال العبد منازل الأبرار، أو ينحط تحت أقدام الأشرار في أسفل سافلين.
فمن شهوته مصروفة إلى ما أعد الله له في دار النعيم .. وغضبه حمية لله ولكتابه ولرسوله ولدينه، فهذا في الدرجات العلى، والنعيم المقيم.
ومن كانت شهوته مصروفة في هواه وأمانيه العاجلة .. وغضبه مقصور على حظه .. ولو انتهكت محارم الله وحدوده وشرائعه .. وهو ملحوظ بعين الاحترام والتقدير ونفوذ الكلمة .. فهذا في أسفل سافلين.
ولن يجمع الله بين الصنفين في دار واحدة.
فالأول: صعد بشهوته وغضبه إلى أعلى عليين، فهو في الجنة.
والثاني: هبط بهما إلى أسفل سافلين، فهو في النار.
فسبحان من خلق هذا الإنسان من تراب، وجعل نسله من ماء مهين، ووكل بخلقه من هذا الماء ملائكة تنفذ أمره فيه.
فهذه النطفة بمجرد استقرارها في الرحم، تتولاها ملائكة بأمر الله، فتنقسم إلى خلايا يلهمها الله ماذا تفعل؟، وماذا تريد؟.
وكل خلية من هذه الخلايا مكلفة بأمر الله ببناء ركن من أركان هذه العمارة الهائلة، عمارة الجسم الإنساني العجيب: