فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ بَعْضَ الْمُتَكَلِّمِينَ جَوَّزَ تَخَلُّفَ الْوَعِيدِ دُونَ الْوَعْدِ لِأَنَّهُ فَضْلٌ وَإِحْسَانٌ، قُلْنَا: لَمْ يُجَوِّزْ أَحَدٌ مِنْ مُحَقِّقِي أَهْلِ الْحَقِّ تَخَلُّفَ الْوَعِيدِ مُطْلَقًا، بَلْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مِنْ أُصُولِ الْعَقِيدَةِ أَنَّ نُفُوذَ الْوَعِيدِ فِي الْكُفَّارِ وَفِي طَائِفَةٍ مِنْ عُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ حَقٌّ، وَإِنَّمَا قِيلَ: يَتَخَلَّفُ شُمُولُ الْوَعِيدِ لِجَمِيعِ الْعُصَاةِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ إِطْلَاقُ بَعْضِ النُّصُوصِ، وَلَنَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَخَلُّفٍ فَيُقَالُ: إِنَّهُ تَبْدِيلٌ لِكَلِمَاتِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَكْذِيبٌ لَهَا، فَإِنَّهُ - تَعَالَى - لَمْ يُرِدْ بِتِلْكَ الْإِطْلَاقَاتِ الشُّمُولَ الْعَامَّ لِجَمِيعِ أَفْرَادِ مَنْ وَرَدَتْ فِيهِمْ تِلْكَ النُّصُوصُ، لِأَنَّهُ بَيَّنَ فِي نُصُوصٍ أُخْرَى أَنَّهُ يَعْفُوَ عَنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ مُقْتَرِفِيهَا وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَنْ أَرَادَ الْمَغْفِرَةَ لَهُمْ وَمَنْ أَرَادَ تَعْذِيبَهُمْ وَلَا يُبَدِّلُ كَلَامَهُ فِي أَحَدٍ مِنْهُمَا، وَأُبْهِمَ ذَلِكَ عَلَيْنَا لِنَرْجُوَهُ دَائِمًا وَلَا يُوقِعُنَا الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِي الْغُرُورِ وَالْأَمْنِ مِنْ عَذَابِهِ فَنُقَصِّرُ، وَنَخَافُهُ دَائِمًا وَلَا يُوقِعُنَا ارْتِكَابُ الذَّنْبِ فِي الْيَأْسِ مِنْ رَحْمَتِهِ فَنَهْلَكُ، وَقَدْ أَحْسَنَ أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ فِي قَوْلِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ: وَقَدْ أَبْهَمْتَ الْأَمْرَ عَلَيْنَا لِنَرْجُوَ وَنَخَافَ فَأَمِّنْ خَوْفَنَا وَلَا تُخَيِّبْ رَجَاءَنَا.