فأما الدنيوية فمعروفة، وأما الدينية بأن يوفقه لعمل صالح آخر أو طاعة أخرى، كما قيل: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، والحسنة تقول: أختي أختي حتى يعملها صاحبها.
ألا وإن من أفضل ما جوزي به الصالحون على أعمالهم الصالحة، وأفضل ما يؤتونه وينعم به عليهم الشهادة في سبيل الله، كما جاء عن سعد بن أبي وقاص أن رجلا جاء إلى الصلاة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي فقال حين انتهى إلى الصف: اللهم آتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين، قال: فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة قال: (من المتكلم آنفا؟) قال الرجل: أنا يا رسول الله قال: (إذا يعقر جوادك وتستشهد في سبيل الله) رواه أبو يعلى والبزار والحاكم، وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح خلا محمد بن مسلم بن عائذ وهو ثقة.
وإذا كان الأمر كذلك كانت الطاعات والعمل الصالح سببا في أن يرزق صاحبها الشهادة في سبيل الله.
وقد ورد عند البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: (وجد الناس وهم صادرون - يعني من الحج - امرأة ميتة بالبيداء، يمرون عليها ولا يرفعون لها رأسا، حتى مر بها رجل من بني ليث يقال له كليب بن بكير، فألقى عليها ثوبه، ثم استعان عليها من يدفنها، فدعا عمر عبد الله - يعني ابنه - فقال: هل مررت بهذه المرأة الميتة؟ فقال: لا، فقال عمر: لو حدثتني أنك مررت بها لنكلت بك، ثم قام عمر بين ظهراني الناس فتغيظ عليهم فيها، وقال: لعل الله يدخل كليبا الجنة بفعله بها، فبينما كليب يتوضأ عند المسجد جاءه أبو لؤلؤة - قاتل عمر رضي الله عنه - فبقر بطنه، قال نافع: وقتل أبو لؤلؤة مع عمر سبعة نفر) .
قال الحافظ في الفتح:"فروينا في جزء أبي الجهم بالإسناد الصحيح إلى ابن عمر أنه كان مع عمر صادرا من الحج فمر بامرأة فدفنها كليب الليثي، فشكر له ذلك عمر وقال: أرجو أن يدخله الله الجنة، قال: فطعنه أبو لؤلؤة لما طعن عمر فمات"انتهى كلامه.
فانظر كيف أنه عمل عملا صالحا وهو مواراة المرأة، فجازاه الله في الدنيا بأن رزقه الشهادة التي بها يستوجب الجنة وهو يتوضأ مع عمر بن الخطاب، والحديث مسيق لذلك.