عن أنس رضي الله عنه قال: (بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أقواما من بني سليم إلى بني عامر في سبعين، فلما قدموا قال لهم خالي: أتقدمكم فإن أمنوني حتى أبلغهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإلا كنتم مني قريبا، فتقدم فأمنوه، فبينما يحدثهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أومؤوا إلى رجل منهم فطعنه فأنفذه، فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة، ثم مالوا على بقية أصحابه فقتلوهم إلا رجلا أعرج صعد الجبل - قال همام فأراه آخر معه - فأخبر جبريل عليه السلام النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم قد لقوا ربهم فرضي عنهم وأرضاهم، فكنا نقرأ أن بلغوا قومنا أن لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) رواه البخاري.
وفي حديث ابن مسعود المتقدم في الشهداء (فقال أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوى إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شئ نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا) رواه مسلم.
قال النووي:"قوله - صلى الله عليه وسلم: (فقال لهم الله تعالى هل تشتهون شيئا ألخ) هذه مبالغة في إكرامهم وتنعيمهم، إذ قد أعطاهم الله ما لا يخطر على قلب بشر، ثم رغبهم في سؤال الزيادة فلم يجدوا مزيدا على ما أعطاهم، فسألوه حين رأوه أنه لابد من سؤال أن يرجع أرواحهم إلى أجسادهم ليجاهدوا ويبذلوا أنفسهم في سبيل الله تعالى ويستلذوا بالقتل في سبيله والله أعلم"انتهى كلامه من المنهاج.
وقد جاء في رواية الترمذي (فاطلع إليهم ربك إطلاعة، فقال: هل تستزيدون شيئا فأزيدكم؟ قالوا: ربنا وما نستزيد ونحن في الجنة نسرح حيث شئنا) .
وقال ابن القيم في الزاد في الحكم المستفادة من غزوة أحد:"ثم عزى نبيه وأولياءه عمن قتل منهم في سبيله أحسن تعزية وألطفها وأدعاها إلى الرضى بما قضاه لها، فقال: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) فجمع لهم إلى الحياة الدائمة منزلة القرب منه وأنهم عنده، وجريان الرزق المستمر عليهم، وفرحهم بما آتاهم من فضله، وهو فوق الرضى بل هو كمال الرضى، واستبشارهم بإخوانهم الذين باجتماعهم بهم يتم سرورهم ونعيمهم، واستبشارهم بما يجدد لهم كل وقت من نعمته وكرامته"انتهى كلامه.