قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوا ** في الموت ألف فضيلة لا تعرف
منها أمان لقائه بلقائه ** وفراق كل معاشر لا ينصف
ولو لم يكن في الموت من الخير إلا أنه باب الدخول إلى هذه الحياة، وجسر يعبر منه إليها لكفي به تحفة المؤمن.
جزى الله عنا الموت خيرا فإنه ** أبر بنا من كل بر وألطف
يعجل تخليص النفوس من الأذى ** ويدني إلى الدار التي هي أشرف
فالاجتهاد في هذا العمر القصير والمدة القليلة والسعي والكدح وتحمل الأثقال والتعب والمشقة إنما هو لهذه الحياة، والعلوم والأعمال وسيلة إليها، وهي يقظة وما قبلها من الحياة نوم، وهي عين وما قبلها أثر، وهي حياة جامعة بين فقد المكروه وحصول المحبوب، في مقام الأنس وحضرة القدس حيث لا يتعذر مطلوب ولا يفقد محبوب، حيث الطمأنينة والراحة والبهجة والسرور، حيث لا عبارة للعبد عن حقيقة كنهها، لأنها في بلد لا عهد لنا به، ولا إلف بيننا وبين ساكنه، فالنفس لإلفها لهذا السجن الضيق النكد زمانا طويلا، تكره الانتقال منه إلى ذلك البلد، وتستوحش إذا استشعرت مفارقته.
وحصول العلم بهذه الحياة إنما وصل إلينا بخبر إلهي على يد أكمل الخلق وأعلمهم وأنصحهم، فقامت شواهدها في قلوب أهل الإيمان حتى صارت لهم بمنزلة العيان، ففرت نفوسهم من هذا الظل الزائل والخيال المضمحل والعيش الفاني المشوب بالتنغيص وأنواع الغصص رغبة في هذه الحياة وشوقا إلى ذلك الملكوت، ووجدا بهذا السرور وطربا على هذا الحد واشتياقا لهذا النسيم الوارد من محل النعيم المقيم.
ولعمر الله إن من سافر إلى بلد العدل والخصب والأمن والسرور وصبر في طريقه على كل مشقة وإعواز وجدب، وفارق المتخلفين أحوج ما كان إليهم وأجاب المنادي إذا نادى به حي على الفلاح، وبذل النفس في الوصول بذل المحب بالرضى والسماح، وواصل السير بالغدو والرواح، فحمد عند الوصول مسراه، وإنما يحمد المسافر السري عند الصباح، وعند الصباح يحمد القوم السرى وفي الممات يحمد القوم اللقا، وما هذا والله بالصعب ولا بالشديد مع هذا العمر القصير، الذي هو بالنسبة إلى تلك الدار كساعة من نهار (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ)