وقال أيضا:" (إن للقبر ضغطة) أي ضيقا لا ينجو منه صالح ولا طالح، ولكن الكافر يدوم ضغطه والمؤمن لا"انتهى كلامه.
وقيل في الحكمة في هذه الضغطة كما ذكر المناوي في الفيض:"أن الأرض أمهم منها خلقوا، فغابوا عنها طويلا، فتضمهم ضمة والدة غاب عنها ولدها، فالمؤمن برفق والعاصي بعنف غضبا عليه"انتهى كلامه.
وحال المؤمن في حياة البرزخ في قبره له أثره على ما بعده، فإنه أول منازل الآخرة، فإذا كان الشخص منعما في قبره آمنا من العذاب فما بعده أهون منه من البعث والنشور والأهوال والمحشر والموقف إلى الجنة، وإن كان الشخص في عذاب وهوان في قبره وبرزخه فما بعده أشد منه من العذاب والأهوال والموقف والحساب وغير ذلك إلى جهنم، نسأل الله العافية.
والدليل عليه عن هانئ مولى عثمان قال: كان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا! فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه) قال: وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ما رأيت منظرا قط إلا القبر أفظع منه) رواه الترمذي والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الجامع.
قال المناوي في الفيض:" (إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا) الميت (منه) أي من القبر أي من عذابه ونكاله (فما بعده) من أهوال المحشر والموقف والحساب والصراط والميزان وغيرها (أيسر) عليه (منه) (وإن لم ينج منه) أي من عذابه (فما بعده) مما ذكر (أشد منه) عليه فما يراه الإنسان فيه عنوان ما سيصير إليه، ولا ينافيه قوله تعالى (وإنما توفون أجوركم يوم القيامة) أي على طاعتكم ومعصيتكم يوم القيامة، لأن كلمة التوفية يزيل هذا الوهم، إذ المعنى أن توفية الأجور وتكميلها يكون ذلك اليوم، وما يكون قبل ذلك فبعض الأجور ذكره في الكشاف"انتهى كلامه.
ويشهد له أيضا قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} غافر، فذكر العرض في البرزخ، ثم ذكر ما بعده أنهم يدخلون أشد العذاب، وهذا أشد من البرزخ، وللشهيد في البرزخ والقبر أتم حياة وأكملها وأنعمها، فما بعده يوم القيامة والبعث أيسر وأكمل منه في البرزخ.