وحمر النعم هي الأبل الحمر، وهي من أثمن وأغلى أموال العرب، وأحبها إليهم، وقيمتها عندهم عظيمة، والأجر المترتِّب على هداية رجل واحد لا يقارن أبدا بالأبل الحمر، ولا مثقال ذرة، وإنما المراد هنا التقريب إلى الأفهام، وإلا فذرة من نعيم الجنة خير من الدنيا وما فيها.
قال الحافظ في الفتح على حديث (ولقاب قوس أحدكم في الجنة) قال:"والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا، وتعظيم أمر الجهاد، وأن من حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له أمر أعظم من جميع ما في الدنيا، فكيف بمن حصل منها أعلى الدرجات"انتهى كلامه.
وقال ابن دقيق العيد كما في الفتح على حديث (لغدوة أو روحه في سبيل الله ... ) قال:"يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس، تحقيقا له في النفس، لكون الدنيا محسوسة في النفس، مستعظمة في الطباع، فلذلك وقعت المفاضلة بها، وإلا فمن المعلوم أن جميع ما في الدنيا لا يساوي ذرة مما في الجنة."
والثاني: أن المراد أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها لأنفقها في طاعة الله تعالى"انتهى كلامه."
وقد ورد في الشهادة في سبيل الله أنها أفضل من ملك أهل الوبر (وهم سكان البادية) والمدر (وهم الحاضرة) فقال ابن أبي عميرة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لأن أقتل في سبيل الله أحبّ إلي من أن يكون لي المدر والوبر) رواه أحمد بإسناد حسن كما قاله ابن النحاس، وقال الهيثمي ورجاله ثقات.
وقد أختلف في تفسير الحديث، فقيل خير لي من أن يكون أهل الوبر والمدر تحت ملكي وأن أكون ملكا عليهم، وقيل خير لي من أن يكونوا عبيدا لي فأعتقهم، وعلى كلا المعنين يدل ذلك على فضل الشهادة، وأنها على المعنى الأول خير من الملك الذي هو من أحب الأشياء إلى النفوس، وهل فنيت النفوس وأسيلت الدماء إلا فيه؟ وعلى المعنى الثاني يدل على أن الشهادة أعظم فضلا من عتق العبيد، مهما بلغوا في الكثرة، ومهما بلغوا في الثمن والنفاسة، فإنه عم أهل الوبر والمدر بذلك.