فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 672

وقال - صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات - وذكر منها - التولي يوم الزحف) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، ومعنى الزحف كما قال القرطبي في تفسيره:"الدنو قليلا قليلا، وأصله الاندفاع على الألية، ثم سمي كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفا، والتزاحف التداني والتقارب، يقال زحف إلى العدو زحفا وأزحف القدم أي مشى بعضهم إلى بعض، والمعنى التولي حين التداني من العدو والتعاين وعند التقاء الصفوف"انتهى كلامه.

والحكمة في ذلك - والله أعلم - لما يترتب على الانهزام والإدبار من كسر نفوس المسلمين المجاهدين، والتسبب بالهزيمة، إذ هو أعظم أسبابها.

وهو أيضا مانع من موانع الشهادة، فمن قتل مدبرا فليس بشهيد، والدليل عليه ما جاء عن أبي قتادة رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قام فيهم فذكر أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، قال: فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي كلها؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر) ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (كيف قلت؟) قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين، فإن جبريل عليه السلام قال لي ذلك". رواه مسلم، فاشترط لقبول الشهادة الإقبال وعدم الإدبار، فهذا يدل على أن الإدبار مانع من موانع الشهادة، وقد سبق كلام النووي أن هذا مانع من الشهادة عند الكلام على الغلول.

قال الحافظ في الفتح:"فقد يطلق الشهيد على من قتل في حرب الكفار، لكن لا يكون له ذلك في حكم الآخرة، لعارض يمنعه كالانهزام وفساد النية". انتهى كلامه.

وإنما لا يجوز الإدبار في حالة حضور الصف والتقاء الجمعان، فإنه يكون الجهاد حينئذ فرض عين على الشخص، أما قبل ذلك فهو فرض كفاية، ولا يجب عليه.

وهناك حالات يجوز فيها الفرار والإدبار، ولو التقى الجمعان وحضر الصف، ولا يترتب عليه عقوبة ولا وعيد ولا منع من الشهادة لمن قتل بها، وهي:

1.عندما يكون العدو أكثر من مثلي المجاهدين، فإنه يجوز حينئذ الفرار، كما قال تعالى: {الئن الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} الأنفال، وروى البخاري وأبو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت