فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 672

واجتماعهم، فيحتاج إلى صبر أكبر، وشجاعة أكبر، وكرم وإيثار وليونة أكثر، واتفاق كلمة وعدم تنازع واختلاف، وخدمة ومياسرة وإحسان صحبة.

ولأن سمي السفر سفرا، لأنه يسفر عن أخلاق الرجال كما قيل، لمشقته وطول الصحبة فيه، فإن الجهاد يسفرها ويظهرها أكثر من السفر.

ولسوء الخلق على الجهاد آثار سيئة جدا، فهو يؤدي إلى المنازعة والفشل وذهاب الريح والقوة، ويؤدي إلى توقف الجهاد وعدم استمراره.

ومن أسوأ خصال سوء الخلق إيذاء المسلمين خصوصا في جهادهم، بالفساد والتضييق وعصيان الإمام وغيره، ومن جاءته منيته وهو على هذه الحال وقتل فليس بشهيد، فإيذاء المسلمين في جهادهم مانع من موانع الشهادة، والدليل عليه ما جاء عن سهل بن معاذ، عن أبيه رضي الله عنه، قال: غزونا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فضيق الناس المنازل، وقطعوا الطريق، فبعث نبي الله - صلى الله عليه وسلم - مناديا في الناس: (أن من ضيق منزلا، أو قطع طريقا، فلا جهاد له) رواه أبو داود، وصححه الألباني في صحيح الجامع، وقد ذكر السيوطي في الجامع الصغير في هذا الحديث زيادة"من ضيق منزلا أو قطع طريقا أو آذى مسلما"ولم أجد من خرجها والله أعلم.

فتضييق المنازل وقطع الطرق من إيذاء المسلمين، وقد جعل في الحديث من فعل ذلك فلا جهاد له، أي لا أجر له على جهاده، وإذا كان لا أجر له على جهاده فلا أجر له على شهادته أيضا، فإن الأصل إذا بطل بطل الفرع، فمن قتل وهو على هذه الحال فليس بشهيد.

ومن الأدلة أيضا - ويشهد لما سبق - ما جاء عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (الغزو غزوان فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كله، وأما من غزا فخرا ورياءً وسمعةً، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لن يرجع بالكفاف) رواه أبو داود والحاكم، وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود.

فاشترط لكون الرجل مأجورا على جهاده، كونه أطاع الإمام، وأنفق الكريمة - وهي الناقة العزيزة عليه - وياسر الشريك أي عامله باليسر والسماحة، واجتنب الفساد في الأرض، أي لم يتجاوز الحد المشروع في نحو قتل ونهب وتخريب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت