والعبادة هي إطاعة العابد لأمر المعبود ، وهكذا يجب أن نفطن إلى أن العبادة لا تقتصر على إقامة الأركان التعبدية فِي الدين من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ، إن هذه هي أركان الإسلام ولا يستقيم أن ينفصل الإنسان المسلم عن ربه بين أوقات الأركان التعبدية ، إن الأركان التعبدية لازمة ، لأنها تشحن الطاقة الإيمانية للنفس حتى تقبل على العمل الخاص بعمارة الدنيا ، ويجب أن نفطن إلى أن العبادة فِي الدنيا هي كل حركة تؤدي إلى إسعاد الناس وعمارة الكون.
ويجب أن نعرف أن الأركان التعبدية هي تقسيم اصطلاحي وضعه العلماء فِي الفقه كباب العبادات وباب المعاملات ، لكن علينا أن نعرف أن كل شيء يأمر به الله اسمه"عبادة". إذن فالعبادة منها ما يصل العبد بالمعبود ليأخذ الشحنة الإيمانية من خالقه ، خالق الكون ، ومنها ما يتصل بعمارة الكون. ولذلك قلنا: إنك حينما تتقبل من الله أمرا بعبادة ما ، فأنت تتلقاه وأنت موصول بأسباب الله بحثا عن الرزق وغير ذلك من أمور الحياة ، والمثل الواضح لذلك هو قول الحق:
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9] .
إن هذا الأمر بالصلاة الجامعة يوم الجمعة يخرج بالإنسان من أمر البيع ، وهذا الأمر بالصلاة لم يأخذ الإنسان من فراغ ، إنما أخذ الإنسان من عمل ، هو البيع.
.ولو نظرنا إلى دقة الأداء فِي البيع لوجدناها قمة الأخذ المباشر للرزق. إن كلام الله يصل فِي دقته إلى ما لا يصل إليه كلام بشر ، فلم يقل الله مثلا"اتركوا الصنعة""اتركوا الحرث"ولكن الحق جاء بالبيع هنا لأنه قمة النفعية العاجلة.