ثم اتجهوا إلى الخالق سبحانه وتعالى مؤكدين نفس المعنى قائلين فيما حكى عنهم القرآن الكريم: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} فاتباع المؤمنين لرسولهم، وتطبيقهم لشريعته على حياتهم اليومية الخاصة والعامة، هو وحده البرهان الناطق على قوة إيمانهم، وهو وحده المعيار الصحيح لصدق عقيدتهم، وهو وحده الأساس الذي تبنى عليه الشهادة لهم بأنهم من المسلمين، والذي يسجلون على أساسه في عداد (الشاهدين) .
ولذلك كانت (الشهادة) مما بني عليه الإسلام، بل هي أول ما بني عليه كما قال صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا) .
ولذلك كانت الشهادة أيضا عنصرا ضروريا في الأذان إلى الصلاة وعند إقامتها، ولذلك أيضا خصص من الصلاة جزء للتشهد فيها، فالتشهد تعبير دائم ونطق صريح شبيه بالأمر اليومي
الذي تصدره قيادة الجيش إلى القوات العاملة فيه، مضمونه أن المؤمن المتشهد مقتنع كل الاقتناع بدينه، ملتزم له فكرا وقولا وعملا، وأنه مرتبط بإلهه ونبيه ارتباطا مستمرا، وأنه معتز بهذا الارتباط، وأنه مفتخر بهذا الانتساب وهذا الالتزام، أمام العالم أجمع، بما فيه من مسلمين وغير مسلمين، وإذا كانت الشهادة بمعناها العادي تتضمن اقتناع الشاهد بمحتواها، وحرصه التام على إبرازها وعدم كتمانها، وامتناعه من إدخال أي تبديل أو تغيير عليها، فما بالك بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، التي هي أم الشهادات جميعا؟