مَجْلِسَ الْقَوْمِ وَشُهُودِ مَا جَرَى مِنْهُمْ ، وَلَا بُدَّ لِهَذِهِ الْعِنَايَةِ مِنْ نُكْتَةٍ ، وَقَدْ قَالُوا فِي بَيَانِهَا: إِنَّ كَوْنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقْرَأْ أَخْبَارَ الْقَوْمِ وَلَمْ يَرْوِهَا سَمَاعًا عَنْ أَحَدٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ مُنْكِرِي نُبُوَّتِهِ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ طَرِيقٌ لِلْعِلْمِ بِهَا إِلَّا مُشَاهَدَتُهَا ، فَنَفَاهَا تَهَكُّمًا بِهِمْ ، وَبِذَلِكَ تَعَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ طَرِيقٌ لِمَعْرِفَتِهَا إِلَّا وَحْيُ اللهِ - تَعَالَى - إِلَيْهِ بِهَا . وَهَذَا الْجَوَابُ مَنْقُوضٌ وَإِنِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ مَنْ نَعْرِفُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ نَطَقَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [16: 103] وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا [25: 5] قَالَ: وَالصَّوَابُ أَنَّ النُّكْتَةَ فِي النَّصِّ عَلَى نَفْيِ حُضُورِ النَّبِيِّ الْقَوْمَ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ - أَيْ بَعْدَ النَّصِّ عَلَى كَوْنِ الْقِصَّةِ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ - هِيَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَيَكُونُ لِلْمُنْكِرِينَ شُبْهَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَهَا عَنْهُمْ . أَقُولُ: يَرُدُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ - تَعَالَى - فِي آخِرِ قِصَّةِ يُوسُفَ: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [12: 102] وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْمُجَاحِدِينَ قَدِ ادَّعَوْا أَنَّهُ يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ، فَهَذِهِ الدَّعْوَى قَدَّرَهَا الْقُرْآنُ بِقَوْلِهِ: لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ