46 -قوله تعالى: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} موضع {وَيُكَلِّمُ} منصوب؛ في التأويل بالنَّسَقِ على (وجيه) ، كأنه قال: (وجيها، ومُكَلِّماً الناسَ) ، ولا يُنكَرُ وضعُ المستقبل موضعَ الحال. ومثله قوله: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي} [مريم: 5 - 6] ، في قراءة مَنْ رَفَعَ. وهذا أحدُ ما يضارعُ به الفعلُ المستقبلُ الاسمَ.
وأنشد النحويُّون على هذا:
بتُ أُعَشِّيها بَعضْبٍ باتِرِ ... يَقْصِدُ في أَسْوُقِها وجائِرِ
على معنى: قاصدٌ، وجائزٌ.
وقوله تعالى: {فِي الْمَهْدِ} . أي: صغيراً. والمَهْدُ: الموضع الذي مُهِّدَ لنوم الصبي.
قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: الحَجْرَ. ويعني بكلامه {فِي الْمَهْدِ} : تبرئة أمِّهِ ممَّا قُرِفَت به.
وقوله تعالى: {وَكَهْلاً} . هو عطف على الظرف من قوله: {فِي الْمَهْدِ} ، كأنه قيل: (ويكلِّم الناس صغيراً وكهلاً) .
و (الكَهْلُ) في اللغة: الذي اجتمع [فيه] قوَّتُه، وتَمَّ شبابُه، وهو من قول العرب: (اكْتَهَلَ النَّباتُ) : إذا قَوِيَ وتَمَّ.
قال الأعشى:
يُضاحكُ الشمسَ منها كوكبٌ شَرِقٌ ... مُؤَزَّرٌ، بعَميمِ النَبْتِ مُكْتَهِلُ
أراد بـ (المكْتَهِل) : المتناهي في الحسن والكمال.
واختلفوا في كهولة عيسى عليه السلام، فقال بعضهم: إنه رفع إلى السماء حين دخل في الكهُولة؛ وذلك، أنه كان قد أرْبى على الثلاثين، ومن أَرْبى عليها فقد دخل في الكُهُولة، وتقَضَّى أكثرُ شبابه.
وعلى هذا القول: يكلِّم الناس كهلاً، قبل أن يرُفع إلى السماء. وهذا معنى قولِ مقاتل، وابن عباس في رواية عطاء، لأنه قال في قوله: (وكهلاً) ؛ يريد: أنه يتكلم بكلام النبَّوة.
وقال بعضهم: المراد بقوله: {وَكَهْلاً} : بعد أن ينزل من السماء يكلِّم الناس بعد نزوله إلى الأرض، كهلاً. وهذا اختيار الحسين بن الفضْل، قال: وفي هذا بيان نزوله في نصِّ القرآن.
وقوله تعالى: {وَمِنَ اَلصَّالِحِينَ} . قال عطاء: يريد: مثل: موسى، وإسرائيل، وإسحاق، وإبراهيم. انتهى انتهى {التفسير البسيط. 5/ 244 - 264} .