قال أبو الهيثم: وضدُّ الصديق: المسيحُ الدجال؛ أي: الضلِّيل، الكذاب؛ خلق الله المسيحين، أحدهما ضد الآخر، فكان المسيح بن مريم يُبْرِئ الأَكْمَهَ، والأبْرَصَ، ويحيى الموتى بإذن الله، وكذلك
الدجال، يحيي الميتَ، ويميت الحيَّ، وينشئ السحائب [وينبت] النبات، فهم المسيحان: مسيح الهدى، ومسيح الضلالة.
قال المنذري: فقلت له: بلغني أن عيسى عليه السلام، إنما سُمِّي مسيحاً، لأنه مُسح بالبركة، وسُمِّيَ الدجال مسيحا؛ لأنه ممسوح العين. فأنكره، وقال: إنما المسيح ضدَّ المسيح، يقال: مَسَحَه الله؛ أي: خلقه حَسناً مباركاً، ومَسَحَه، أي: خلقه قبيحاً ملعوناً.
وكان إبراهيم النخعي يذهب أيضاً إلى أن المسيح، معناه: الصِّدِّيق.
قال ابن الأنباري: وهذا القول لا يعرف اللغويون مذهبه؛
إذ كانت لا تصف كلَّ صِدِّيق بـ (المسيح) ، ولعل كان هذا مستعملاً في بعض الأوقات في وصف الصدِّيقين، فدَرَسَ مع ما دَرَسَ من الكلام؛ لأن الكسائي قال: قد درس من كلام العرب شيء كثير. ثمَّ فسَّر المسيح وبيَّنه من هو، فقال: {عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} . معنى (الوجيه) : ذو الجاه والشرف والقدْر، يقال: (وجُهَ الرجلُ، يَوْجُهُ، وَجاهةً) ، فـ (هو وَجِيْهٌ) : إذا صارت له منزلة رفيعة عند السلطان والناس.
وقال بعض أهل اللغة: الوجيه: الكريم، عند من لا يسأله؛ لأنه لا يردُّه لكرم وجهه عنده، خلاف من يبذل وجهه للمسألة، فيرده.
قال الزجَّاج: {وَجِيهًا} ، منصوب على الحال، المعنى: إنَّ الله يبشِّرك بهذا الولد، وجيهاً في الدنيا والآخرة. والفرَّاء يسمي هذا قطْعاً، كأنه: كان عيسى بن مريم الوجيه، قُطِع منه التعريف.
وقوله تعالى: {وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} . أي: إلى ثواب الله وكرامته.