وَفِي هَذَا إِبْطَالٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يُرِدْ مِنْ عِبَادِهِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتُهُ السَّمْعِيَّةُ مِنْ إِثْبَاتِ مَعَانِيهَا وَحَقَائِقِهَا الَّتِي وُضِعَتْ لَهَا أَلْفَاظُهَا، فَإِنَّ هَذَا ضِدُّ الْبَيَانِ وَالْإِعْلَامِ، وَيَعُودُ عَلَى مَقْصُودِ الشَّهَادَةِ بِالْإِبْطَالِ وَالْكِتْمَانِ، وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ مَنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مِنْ أَظْلَمِ الظَّالِمِينَ، فَإِذَا كَانَتْ عِنْدَ الْعَبْدِ شَهَادَةٌ مِنَ اللَّهِ تُحَقِّقُ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ، وَتَوْحِيدِ الرُّسُلِ، وَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ كَانُوا عَلَى الْإِسْلَامِ كُلُّهُمْ، وَكَتَمَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ؛ كَانَ مِنْ أَظْلَمِ الظَّالِمِينَ - كَمَا فَعَلَهُ أَعْدَاءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْيَهُودِ، الَّذِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ - فَكَيْفَ يُظَنُّ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ كَتَمَ شَهَادَةَ الْحَقِّ الَّتِي يَشْهَدُ بِهَا الْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْمُعَطِّلَةُ، وَلَا يَشْهَدُ بِهَا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ بِمَا يُضَادُّهَا وَيُنَاقِضُهَا، وَلَا يُجَامِعُهَا بِوَجْهٍ مَا؟
سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ! فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِأَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، وَبِأَنَّهُ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَبِأَنَّ مَلَائِكَتَهُ يَخَافُونَهُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَعْرُجُ إِلَيْهِ بِالْأَمْرِ، وَتَنْزِلُ مِنْ عِنْدِهِ بِهِ، وَأَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ يَصْعَدُ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَأْتِي وَيَجِيءُ، وَيَتَكَلَّمُ، وَيَرْضَى وَيَغْضَبُ، وَيُحِبُّ وَيَكْرَهُ، وَيَتَأَذَّى، وَيَفْرَحُ وَيَضْحَكُ، وَأَنَّهُ يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ، وَأَنَّهُ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ بِأَبْصَارِهِمْ يَوْمَ لِقَائِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَهِدَ بِهِ لِنَفْسِهِ، وَشَهِدَ لَهُ بِهِ رُسُلُهُ، وَشَهِدَتْ لَهُ الْجَهْمِيَّةُ بِضِدِّ ذَلِكَ، وَقَالُوا: شَهَادَتُنَا أَصَحُّ، وَأَعْدَلُ مِنْ شَهَادَةِ النُّصُوصِ، فَإِنَّ النُّصُوصَ تَضَمَّنَتْ كِتْمَانَ الْحَقِّ وَإِظْهَارَ خِلَافِهِ.