يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ مُكِّنَ مِنْ بَيْعِ مُدِّ حِنْطَةٍ بِمَدَّيْنِ كَانَ ذَلِكَ تِجَارَةً حَاضِرَةً، فَتَطْلُبُ النُّفُوسُ التِّجَارَةَ الْمُؤَخَّرَةَ لِلَذَّةِ الْكَسْبِ وَحَلَاوَتِهِ؛ فَمُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى مُنِعُوا مِنْ التَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبْضِ إتْمَامًا لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ، وَرِعَايَةً لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ؛ فَإِنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَدْ يَتَعَاقَدَانِ عَلَى الْحُلُولِ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِصَبْرِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَكَمَا يَفْعَلُ أَرْبَابُ الْحِيَلِ: يُطْلِقُونَ الْعَقْدَ وَقَدْ تَوَاطَئُوا عَلَى أَمْرٍ آخَرَ، كَمَا يُطْلِقُونَ عَقْدَ النِّكَاحِ وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى التَّحْلِيلِ، وَيُطْلِقُونَ بَيْعَ السِّلْعَةِ إلَى أَجَلٍ وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُعِيدُهَا إلَيْهِ بِدُونِ ذَلِكَ الثَّمَنِ؛ فَلَوْ جُوِّزَ لَهُمْ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَأَطْلَقُوا الْبَيْعَ حَالًّا وَأَخَّرُوا الطَّلَبَ لِأَجْلِ الرِّبْحِ، فَيَقَعُوا فِي نَفْسِ الْمَحْذُورِ.
وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمْ مُنِعُوا مِنْ التِّجَارَةِ فِي الْأَثْمَانِ بِجِنْسِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ عَلَيْهِمْ مَقْصُودَ الْأَثْمَانِ، وَمُنِعُوا مِنْ التِّجَارَةِ فِي الْأَقْوَاتِ بِجِنْسِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ عَلَيْهِمْ مَقْصُودَ الْأَقْوَاتِ، وَهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي بَيْعِ التِّبْرِ وَالْعَيْنِ؛ لِأَنَّ التِّبْرَ لَيْسَ فِيهِ صَنْعَةٌ يُقْصَدُ لِأَجْلِهَا؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي قَصَدَ الشَّارِعُ أَلَّا يُفَاضِلَ بَيْنَهَا، وَلِهَذَا قَالَ:"تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا سَوَاءٌ"فَظَهَرَتْ حِكْمَةُ تَحْرِيمِ رِبَا النَّسَاءِ فِي الْجِنْسِ وَالْجِنْسَيْنِ، وَرِبَا الْفَضْلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَأَنَّ تَحْرِيمَ هَذَا تَحْرِيمُ الْمَقَاصِدِ وَتَحْرِيمَ الْآخَرِ تَحْرِيمُ الْوَسَائِلِ وَسَدُّ الذَّرَائِعِ، وَلِهَذَا لَمْ يُبَحْ شَيْءٌ مِنْ رِبَا النَّسِيئَةِ. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...