قيل: قد تقدم أنواع الهداية وأحوالها ، وأنه قد يراعى فِي إطلاقها مبدؤها تارة ، فتستعمل فِي الجميع الذي يمكنهم الاهتداء ، وعلى ذلك قال {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} ، ومرة يعتبر منتهاها الذي هو الاهتداء ، فيقال:"هدي الله المؤمنين"، وعلى هذا قوله تعالي: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} فقوله: {لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ، أي: لا يقبلون منه هدايته لهم ، وإذا لم يقبلوا منه لم يعطهم ، وإذا لم يعطهم فهو لم يهدهم ، وأيضا فالظلم هاهنا مناف للهداية ، فإنه جحود ألاء الله ، والامتناع من قبولها والهداية تقتضي تحري العدالة ، فإذا الهداية والظلم
كالمتضادين لا يجتمعان...
إن قيل: لم أفرد النور وجمع الظلمة ، قيل: لما كان النور عبارة عن الحق ، والحق من حيث ما هو حق شي واحد لا يتنافى ولا يتناقض ، والباطل من حيث ما هو باطل يتضاد ويتعاند صار فيه كثرة ، ولهذا شبه الحق بالمقرطس من المريء فِي أنه واحد واحد ، والخطأ ما عداها وهو كثير بلا نهاية ، فلذلك أفرد النور وجمع الظلمة...
قوله تعالي:
{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
الآية (259) - سورة البقرة.