قيل: أما أولاً ، فما ذكره إبراهيم كان معارضة ، وذاك أن الكافر ادعي أن فِي وسعه أن يفعل كل جنس من الفعل يفعله الباري - عز وجل ، وذلك ادعاء حكم موجب كلي ، والكلي ينقض بالجزئي ، نحو أن يقال: كل إنسان كاتب ، فمتى وجد إنسان شرير كاتب فقد ظهر كدبه ، وللمعارض إذا أراد المناقضة أن ينتقل عن مثال خفي إلى مثال جلي ، ولا يكون ذلك منه انتقالاً ، وهذا باب قد أحكمه أهل الجدل ، على أن ذلك لو كان ابتداء حجة ، لم يكن على شرط أهل النظر بمذموم ، فالحجج الجدول عليما ضربان.
حجة يذكرها ، ثم يتركها لظهور فسادها ، وذلك مما لا يرتضيه أهل النظر وحجة يذكرها ، فيقصر فهم سامعها عن إدراكها ، أو يكثر مشاغبته فيها ، فيعدل عنها إلي ما هو أوضح ، إذ كان كل يتبين الحق وإزالة الشبهة ، وهذا ليس بمذموم ، وقوله: {أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} قال بعضهم: أراد إبراهيم لأن الله تعالى لا يؤتي الملك الكفرة ، لأن ذلك مفسدة ينزه الله تعالى عنها ، وأكثر المفسرين على أنه النمروذ وذاك أن السلطان من الأغراض الدنيوية ، كالمال ، والجاه ، والأولاد ، وذلك مما يؤتي المؤمن والكافر امتحانا واختباراً...
إن قيل: أليس قلت: إن الملك اسم لما فيه العدالة ، فكيف يصح أن يقال ذلك لما يتوارد للكافر ؟
قيل: إن الملك الحقيقي الذي يجوز للإنسان المتسمي به هو ذاك لكن الناس يستعملونه فيمن يتسلط على الناس على أي وجه كان فتسمية الله تعالي إياه بذلك إنما هو على زعمه ، وزعم أتباعه ، كقوله: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} فسماه عزيزاً لا بالحقيقة لكن على ما كان يتسمى به...
إن قيل: كيف قال: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ، والظالم أولى بأن يُهدى ؟