وأريد بالذين يأكلون الربا هنا من كان على دين الجاهلية؛ لأن هذا الوعيد والتشنيع لا يناسب إلاّ التوجّه إليهم لأنّ ذلك من جملة أحوال كفرهم وهم لا يرعوون عنها ما داموا على كفرهم.
أما المسلمون فسبق لهم تشريع بتحريم الربا بقوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} فِي سورة آل عمران (130) ، وهم لا يقولون إنّما البيع مثل الربا، فجعل الله هذا الوعيد من جملة أصناف العذاب خاصاً للكافرين لأجل ما تفرّع عن كفرهم من وضع الربا.
وتقدم ذلك كلّه إنكارُ القرآن على أهل الجاهلية إعطاءهم الربا، وهو من أول ما نعاه القرآن عليهم فِي مكة، فقد جاء فِي سورة الروم (39) : وما آتيتم من ربا لتُربوا فِي أموال الناس فلا يَربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المُضعفون وهو خطاب للمشركين لأنّ السورة مكية ولأنّ بعد الآية قوْلُه: الله خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء.
ومن عادات القرآن أن يذكر أحوال الكفّار إغلاظاً عليهم، وتعريضاً بتخويف المسلمين، ليكرّه إياهم لأحوال أهل الكفر.
وقد قال ابن عباس: كلّ ما جاء فِي القرآن من ذمّ أحوال الكفار فمراد منه أيضاً تحذير المسلمين من مثله فِي الإسلام، ولذلك قال الله تعالى: {ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 275] وقال تعالى: {والله لا يحب كلّ كفّار أثيم} [البقرة: 276] .
ثم عطف إلى خطاب المسلمين فقال: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله} [البقرة: 278] الآيات، ولعلّ بعض المسلمين لم ينكفّ عن تعاطي الربا أو لعلّ بعضهم فتن بقول الكفار: إنّما البيع مثل الربا.
فكانت آية سورة آل عمران مبدأ التحريم، وكانت هذه الآية إغلاق باب المعذرة فِي أكل الربا وبياناً لكيفية تدارك ما سلف منه. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 79 - 81}