عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، قَالَ:"إِنَّ الرَّجُلَ يَغْزُو، لَا يَسْرِقُ وَلَا يَزْنِي، وَلَا يَغُلُّ، لَا يَرْجِعُ بِالْكَفَافِ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: فَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَخْرُجُ فَإِذَا أَصَابَهُ مِنْ بَلَاءِ اللَّهِ الَّذِي قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ سَبَّ وَلَعَنَ إِمَامَهُ، وَلَعَنَ سَاعَةَ غَزَا، وَقَالَ: لَا أَعُودُ لِغَزْوَةٍ مَعَهُ أَبَدًا، فَهَذَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ مِثْلُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُتْبِعُهَا مَنًّا وَأَذًى، فَقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَهَا فِي الْقُرْآنِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} حَتَّى خَتَمَ الْآيَةَ"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانَ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: فَمَثَلُ هَذَا الَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ، وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: {فَمَثَلُهُ} عَائِدَةٌ عَلَى «الَّذِي» {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} وَالصَّفْوَانُ وَاحِدٌ وَجَمْعٌ، فَمَنْ جَعَلَهُ جَمْعًا فَالْوَاحِدَةُ صَفْوَانَةٌ بِمَنْزِلَةِ تَمْرَةٍ وَتَمْرٍ وَنَخْلَةٍ وَنَخْلٍ، وَمَنْ جَعَلَهُ وَاحِدًا جَمَعَهُ صَفْوَانَ وَصِفِيٍّ وَصُفِيٍّ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ وَالصَّفْوَانُ هُوَ الصَّفَا، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمُلْسُ وَقَوْلُهُ: {عَلَيْهِ تُرَابٌ}
يَعْنِي عَلَى الصَّفْوَانِ تُرَابٌ {فَأَصَابَهُ}
يَعْنِي أَصَابَ الصَّفْوَانَ {وَابِلٌ} وَهُوَ الْمَطَرُ الشَّدِيدُ الْعَظِيمُ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
[البحر الرمل]
سَاعَةً ثُمَّ انْتَحَاهَا وَابِلٌ ... سَاقِطُ الْأَكْنَافِ وَاهٍ مُنْهَمِرْ
يُقَالُ مِنْهُ: وَبُلَتِ السَّمَاءُ فَهِيَ تَبِلُ وَبْلًا، وَقَدْ وُبِلَتِ الْأَرْضُ فَهِيَ تُوبَلُ، وَقَوْلُهُ: {فَتَرَكَهُ صَلْدًا}
يَقُولُ: فَتَرَكَ الْوَابِلُ الصَّفْوَانَ صَلْدًا؛ وَالصَّلْدُ مِنَ الْحِجَارَةِ الصُّلْبُ الَّذِي لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ نَبَاتٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَهُوَ مِنَ الْأَرَضِينَ مَا لَا يَنْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ مِنَ الرُّءُوسِ كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ:
[البحر الرجز]
لَمَّا رَأَتْنِي خَلَقَ الْمُمَوَّهِ ... بَرَّاقَ أَصْلَادِ الْجَبِينِ الْأَجْلَهِ