قال ابن عباس جاء رجل ذات يوم بعذق حَشَف فوضعه في الصدقة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما صنع صاحب هذا"فأنزل الله هذه الآية.
وقال علي بن أبي طالب.
والحسن ومجاهد: كانوا يتصدقون بشرار في ثمارهم ورُذَالة أموالهم، فأنزل الله هذه الآية {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ} .
يعني: الرديء من أموالكم.
وقوله تعالى: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} قال الفراء: (أن) هاهنا في مذهب جزاء، يدلك عليه: أن المعنى: إن أغمضتم بعض الإغماض أخذتموه، وإنما فتحتها لأن إلا وقعت عليها، وهي في موضعِ خفضٍ، وإذا رأيت (أن) في الجزاء قد أصابها معنى خفض أو نصب أو رفع، انفتحت فهذا من ذلك، والمعنى، والله أعلم: ولستم بآخذيه إلا على الإغماض، أو بإغماض، وعن إغماض. قال: ومثله: قوله: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} [البقرة: 229] {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237] .
وأنكر المبرد ذلك، وقال: (أن) إذا كانت مع الفعل بمعنى المصدر كانت مفتوحة أبدًا على كل حال، وذلك نحو: أن تأتينى خير لك. والمعنى في الآية: ولستم بآخذيه إلا بإغماضكم فيه.
والإغْمَاضُ في اللغة: غَضُّ البصر، وإطباق جَفْنٍ على جَفْنٍ، قال رؤْبة:
أَرَّقَ عَيْنِي عن الإِغْمَاضِ ... بَرْقٌ سَرَى في عَارِضٍ نهّاض
وأصله من الغموض، وهو الخفاء، غمُض الشيء يَغْمُضُ غُموضًا، والإغْمَاضُ والغَمْضُ: إطباق الجفن؛ لأنه إِخْفَاءُ العين، والغَمْضُ: المتطامن الخفي من الأرض.
والمراد بالإغماض في الآية: التجويزُ والمساهلة، وذلك أن الإنسان إذا رأى ما يكره أَغْمَضَ عينه لئلا يرى ذلك، ثم كثر ذلك حتى جُعِلَ كلُّ تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضًا.
قال الطِّرِمَّاح في الإغماض بمعنى المساهلة:
لم يَفُتْنا بالوِتْرِ قومٌ وللضيمِ ... رجالٌ يَرْضَونَ بالإِغْمَاضِ