وبعد فإن المستقصي لكل ما أوردوه من معاني هذه الكلمة - الحكمة - يرجع إلى إحكام الشيء ، أي إتقانه، كيلا يتسرّب إليه خللٌ أو فسادٌ، وكي يبلغَ ذروةَ الكمال جُهْدَ الاستطاعة، حتى قيل لكل من يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم، ومن ثم يقال للعالم العامل بعلمه: حكيم، وللرجل العاقل المهذب الموفق: حكيم، وللقاضي العادل في أحكامه: حكيم، وللرجل المجرَّب الذي حنّكته التجاريبُ ووثّقته حتّى لا يصدرَ عنه إلا كلُّ ما هو سداد: حكيم، ويقال للمواعظ والأمثال التي ينتفع الناس بها: حكمة، ولكل كلامٍ نافعٍ يمنع من الجهل والسَّفه: حكمة، ومن ذا تسمية القرآن والإنجيل وسائر الكتب المنزلة، وكل ما يحذو على حذوها، مما يتضمّن مواعظَ وآداباً وأخلاقاً فاضلة: حكمة، إذ كلُّ أولئك يرتدّ إلى معنى الإتقان والتوثيق والإصابة والسداد... وإذن يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: رأس الحكمة مخافةُ الله: أسُّ الحكمة وقوامها: الخوف منه سبحانه، لأن الحكمة من شأنها أن تمنع النفس عن كل ما نهينا عنه، ولا يحدو المرءَ على العمل بها إلا الخوفُ منه، عزّ وتقدّس، ومتى كان هذا الخوف شعارَه حاسب نفسه على كل خطرة ونظرة ولذّة؛ وبذلك تكون مخافة الله آكدَ أسبابِ النجاة ولا تتم الحكمة إلا بها...
هذا، ويعجبني من الشعر في باب الخوف من اللهِ قولُ محمود الوراق:
يا ناظِراً يَرنْو بعيْنَيْ رافِدٍ ... ومُشاهِداً للأمْرِ غيرَ مُشاهِدِ
مَنَّيْتَ نفْسَكَ ضَلّةً وأَبَحْتَها ... طُرُقَ الرَّجاءِ وهُنَّ غيرُ قواصِدِ
تَصِلُ الذُّنوبَ إلى الذُّنوبِ وتَرْتَجي ... دَرَكَ الجِنانِ بها وفوْزَ العابِدِ
ونَسِيتَ أنَّ اللهَ أخْرجَ آدَماً ... منها إلى الدُّنيا بذَنْبٍ واحدِ
وقال الحسن البصري: إنّ خوفَك حتّى تلقى الأمن، خيرٌ من أمْنِك حتّى تلقى الخوف... وقال: ينبغي أن يكون الخوفُ أغلبَ على الرجاء، فإنَّ الرجاءَ إذا غلبَ الخوفَ فَسَدَ القلبُ...
وقال بعضهم: قلت لسفيان: بلغني في قول الله تعالى: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} أنه الذي يلقى ربّه وليس فيه أحدٌ غيرُه، فبكى وقال: ما سمعت منذ ثلاثين سنة أحسن من هذا التفسير...
وقالوا: من خاف اللهَ أخاف اللهُ منه كلَّ شيء ، ومن لم يَخَفِ اللهَ أخافه اللهُ من كلِّ شيء ...