بالخروج في ذلك الوقت الذي كان المسلمون فيه في عسرة ومجاعة، وقد أدركت
ثمارهم فاضطروا إلى تركها، والحر شديد، والشقة بعيدة، والعدد كثير، ولهذا
كانت هي الغزوة التي ظهر فيها صدق الصادقين ونفاق المنافقين.
على أن نشر الدعوة في ذلك العصر كان متعذرًا بغير قوة يأمن بها الدعاة
على أنفسهم، وكان جيران جزيرة العرب من الروم في الشام ومصر، والفرس
والعراق قد اعتدوا على بعض أهلها وأخضعوهم لسلطانها، فلما اجتمعت كلمة أكثر
العرب في الجزيرة بجامعة الإسلام، صار أولئك الجيران عدوًّا لهم،
وكان العدو حربًا لعدوه حيث كان، فكان لا مندوحة للمسلمين - والحال ما ذكرنا - أن
يؤيدوا نشر الدعوة بما يستطيعون من قوة، ولكنهم لا يستعملون القوة إلا عند الحاجة
أو الضرورة، فكانوا يعرضون على الناس الإسلام، فإن أجابوا كانوا
مثلهم، وإلا اكتفوا منهم بأخذ جزية قليلة تكون اكتفاء شرهم، وتركوا لهم الحرية
في أنفسهم وأموالهم ودينهم، حتى إنهم لا يجبرونهم على التحاكم إليهم، وإن
تحاكموا إليهم ساووهم في ذلك بأنفسهم، فلم يكن الغرض من هذا إلا أن تكون دعوة
الحق في حماية قوة يمكن بها إظهارها كما يعتقدها ويدين لله بها أربابها، من غير
اعتداء على دين أحد ولا ماله، ما دام محافظًا على ذمته وعهده، فهكذا كانت سيرة
الخلفاء الراشدين في فتوحاتهم.
وأما من بعدهم من خلفاء العرب وملوك الطوائف في عهدهم، فقد شاب
فتوحاتهم لنشر دعوة الإسلام شائبة حب سعة الملك وعظمة السلطان، ومع هذا قال
غوستاف لوبون من أكبر فلاسفة الاجتماع والعمران وعلماء التاريخ من الإفرنج:
(ما عرف التاريخ فاتحًا أعدل ولا أرحم من العرب) .
هذا مجمل ما نفهمه من آيات كتاب الله عز وجل، وسيرة نبيه صلى الله عليه
وسلم، وهو مبني على قواعد العدل والرحمة، وما شرع لأجله الدين من إصلاح
الأمة، وهو في الإسلام إصلاح البشر كافةً، ولسنا كغيرنا ممن يغيرون ويبدلون،
ويحرفون ويؤولون لدفع ما يعترض به المعترضون، فإن ديننا ليس كسائر الأديان
التي يدافع عنها أهلها كما يدافع المحامي عن موكله المبطل بتمويه باطله، وتصويره