وحذف - سبحانه - حالة المشبه وهو الذي يبطل صدقته بالمن والأذى والرياء وما يشبه ذلك، لظهورها من المقام.
وقد وصف - سبحانه - تلك الجنة بثلاث صفات:
وصفها أولا: بأنها من نخيل وأعناب أي معظمها من هذين الجنسين النفيسين اللذين هما أنفع الفواكه وأجملها منظرا.
ووصفها ثانيا: بأنها تجرى من تحتها الأنهار، أي تجرى من تحت أشجارها الأنهار التي تسر النفس. وتبهج القلب، وتزيد في حسن الجنة وبهائها.
ووصفها ثالثا: بأنها زاخرة بكل أنواع الثمار التي تنفع صاحبها، وتغنيه عن الاحتياج إلى غيره، فهي جنة قد جمعت بين حسن المنظر، وكثرة النفع، وهذا نهاية ما يتمناه كل إنسان لما يملكه.
أما صاحبها فقد وصفه - سبحانه - بأنه إنسان قد أصابه الكبر وله ذرية ضعفاء أي أنه في منتهى الاحتياج إليها لكبر سنه وعجزه عن الاكتساب من غيرها ولمسئوليته عن الإنفاق على أولاد صغار لا يعولهم أحد سواه.
تلك هي حالة الجنة وحالة صاحبها في احتياجه إليها، فماذا حدث بعد ذلك؟ لقد أصابها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ فماذا يكون حال هذا الإنسان الذي أصابه الكبر وله ذرية ضعفاء وهو يرى جنته ومحط أمله قد احترقت وهو في أشد الحاجة إلى ظلها وثمارها ومنافعها؟
إن الكلمات لتعجز عن تصوير ما يصيب هذا البائس من غم وهم وحزن وحسرة، وهو يرى جنته قد احترقت وهو في أشد أوقاته حاجة إلى ظلها وثمارها ومنافعها!؟
ولكأن الله - تعالى - يقول للناس بعد هذا التصوير البديع المؤثر: احذروا أن تبطلوا أعمالكم الصالحة بارتكابكم لما نهى الله عنه، فلا تجدون لها نفعا يوم القيامة وأنتم في أشد الحاجة إليها في هذا اليوم العصيب، لأنكم إذا فعلتم ذلك كان مثلكم في التحسر والحزن كمثل هذا الشيخ الكبير الذي احترقت جنته وهو في أشد الحاجة إليها.
وإنه لتصوير قرآني في أسمى درجات البلاغة والتأثير، وفي أعلى ألوان التأديب والتهذيب.