ولذلك تجد كثيرا من الناس يقولون: كم صنعت بفلان وفلان الجميل ، هذا كذا وهذا كذا ، ثم خرجوا على فانكروه. وأقول لكل من يقول ذلك: مادمت تتذكر ما أسديته إليهم فمن العدالة من الله أن ينكروه ، ولو أنك عاملت الله لما أنكروه ، فمادمت لم تعامل الله ، فإنك تقابل بنكران ما أنفقت. فكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يسخي بالآية الأولى قلب المنفق ليبسط يده بالنفقة ، لذلك قال:"ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون".
فالحق سبحانه وتعالى طمأننا فِي الآية الأولى على أن الصدقة والنفقة لا تنقص المال بل تزيده ، وضرب لنا الحق سبحانه المثل بالأرض التي تؤتينا بدل الحبة الواحدة سبعمائة حبة ، ثم يوضح الحق لنا أن آفة الإنفاق أن يكون مصحوباً بـ"المن"أو"الأذى"؛ لأن ذلك يفسد قضية الاستطراق الصفائي فِي الضعفاء والعاجزين ، ولذلك يقول الحق سبحانه:
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ
(من الآية 262 سورة البقرة)
انظر إلى الدقة الأدائية فِي قوله الكريم:"ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى". قد يستقيم الكلام لو جاء كالآتي:"الذين ينفقون أموالهم فِي سبيل الله ولا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى"، لكن الحق سبحانه قد جاء بـ"ثم"هنا ؛ لأن لها موقعاً. إن المنفق بالمال قد لا يمن ساعة العطاء ، ولكن قد يتأخر المنفق بالمن ، فكأن الحق سبحانه وتعالى ينبه كل مؤمن: يجب أن يظل الإنفاق غير مصحوب بالمن وأن يبتعد المنفق عن المن دائماً ، فلا يمتنع عن المن فقط وقت العطاء ، ولكن لابد أن يستمر عدم المن حتى بعد العطاء وإن طال الزمن.