لأنه يعلم أن الدلال فرين الجمال ، وأن العزة والحسن توأمان: وفي مذهب الملاح الطلب رد والسبيل سد فيقول: أرني كيف تخيط الثياب؟ فكل صانع فاخر فِي صنعته يريد أن يرى جودة عمله فيحضر المعشوق عنده بلا حجاب وهو يخيط الثوب فيقول: انظر إليّ كيف أخيطه؟ فالعاشق ينظر بعلة الصنع إلى الصانع ويحظى منه بلا مانع ودافع ويطمئن قلبه بذلك . فالخليل لما اعتذر عن الجليل من اضطراب قلبه واضطرار حاله وتضرع بين يدي مولاه ، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه حقق رجاءه وقال {خذ أربعة من الطير} الآية . والمراد أنك محجوب بك عني فبحجاب صفاتك عن صفاتي محجوب ، وبحجاب ذاتك عن ذاتي ممنوع ، فمهما تموت عن صفاتك تحيا بصفاتي ، فإذا فنيت عن ذاتك بقيت ببقاء ذاتي {فخذ أربعة من الطير} وهي الصفات الأربع التي تولدت من العناصر الأربعة التي خمرت طينة الإنسان منها فتولدت من ازدواج كل عنصر مع قرينه صفتان: فمن التراب وقرينها وهو الماء تولد الحرص والبخل وهما قرينان يوجدان معاً ، ومن الناء وقرينها وهو الهواء تولد الغضب والشهوة ، ولكل واحد من هذه الصفات زوج خلق منها ليسكن إليها . فالحرص زوجه الحسد ، والبخل زوجه الحقد ، والغضب زوجه الكبر ، وليس للشهوة اختصاص بزوج معين بل هي كالمعشوقة بين الصفات فتعلق بها كل صفة ، فهن الأبواب السبعة للدركات السبع من جهنم {لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} [الحجر: 44] يعني من الخلق . فمن كان الغالب عليه صفة منها دخل النار من ذلك الباب ، فأمر الله تعالى خليله بذبح هذه الصفات وهي الطيور الأربعة ، طاوس البخل فلو لم يزين المال فِي نظر البخيل ما بخل به ، وغراب الحرص وبكوره من حرصه ، وديك الشهوة ، ونسر الغضب لترفعه فِي الطيران وهذه صفة المغضب . فلما ذبح الخليل بسكين الصدق هذه الطيور وانقطعت منه متولداتها ما بقي له باب يدخل به النار فصارت النار عليه لما ألقي فيها برداً وسلاماً . والمبالغة في