ويقال: أرسلت بالعرف أي بالمعروف.
ومنه قوله سبحانه: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف: 182] والاستدراج:
أن يدنيهم من بأسه قليلا قليلا من حيث لا يعلمون ، ولا يباغتهم ولا يجاهرهم. ومنه يقال: درجت فلانا إلى كذا وكذا ، واستدرج فلانا حتى تعرف ما عنده وما صنع. يراد لا تجاهره ولا تهجم عليه بالسؤال ، ولكن استخرج ما عنده قليلا قليلا.
وأصل هذا من الدّرجة ، وذلك أن الراقي فيها النازل منها ينزل مرقاة مرقاة ، فاستعير هذا منها.
ومنه قوله سبحانه: وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ [التوبة: 67] أي يمسكون عن العطية.
وأصل هذا: أن المعطي بيده يمدّها ويبسطها بالعطاء ، فقيل لكل من بخل ومنع: قد قبض يده.
ومنه قوله: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا [المائدة: 64] أي:
ممسكة.
ومنه قوله: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ [يونس: 22] : أي دنوا من الهلاك. وأصل هذا: أن العدوّ إذا أحاط بقوم أو بلد فحاصره فقد دنا أهله من الهلكة. وقال في موضع آخر: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف: 42] .
ومنه قوله: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (29) [الدخان: 29] تقول العرب إذا أرادت تعظيم مهلك رجل عظيم الشأن ، رفيع المكان ، عامّ النفع ، كثير الصنائع: أظلمت الشمس له ، وكسف القمر لفقده ، وبكته الرّيح والبرق والسماء والأرض.
يريدون المبالغة في وصف المصيبة به ، وأنها قد شملت وعمّت. وليس ذلك بكذب ، لأنّهم جميعا متواطئون عليه ، والسّامع له يعرف مذهب القائل فيه.
وهكذا يفعلون في كل ما أرادوا أن يعظّموه ويستقصوا صفته. ونيّتهم في قولهم:
أظلمت الشمس ، أي كادت تظلم ، وكسف القمر ، أي كاد يكسف.
ومعنى كاد: همّ أن يفعل ولم يفعل. وربما أظهروا كاد ، قال ابن مفرّغ الحميريّ يرثي رجلا"1":
الرّيح تبكي شجوه والبرق يلمع في غمامه
وقال آخر"2":
الشّمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك ، نجوم اللّيل والقمرا
أراد: الشمس طالعة تبكي عليك ، وليست مع طلوعها كاسفة النجوم والقمر ، لأنّها مظلمة ، وإنما تكسف بضوئها ، فنجوم الليل بادية بالنهار.
وهذا كقوله النابغة وذكر يوم حرب"3":
(1) يروى البيت بلفظ:
الريح تبكي شجوها والبرق يضحك في الغمامه
والبيت من مجزوء الكامل ، وهو لابن مفرغ في ديوانه ص 208 ، ولسان العرب (درك) ، وتفسير البحر المحيط 7/ 36 ، وأمالي المرتضى 1/ 39 ، 2/ 96 ، وشرح شواهد الشافية ص 36 ، والبيت بلا نسبة في الصاحبي في فقه اللغة ص 201 ، والأضداد لابن الأنباري ص 372.
(2) البيت من البسيط ، وهو لجرير في ديوانه ص 736 ، والأشباه والنظائر 5/ 307 ، وأمالي المرتضى 1/ 52 ، وشرح شواهد الشافية ص 26 ، والعقد الفريد 1/ 96 ، ولسان العرب (كسف) ، (بكى) ، وبلا نسبة في لسان العرب (شمس) .
(3) البيت من البسيط ، وهو في ديوان النابغة الذبياني ص 83 ، وخزانة الأدب 2/ 133 ، 134 ، والشعر والشعراء 1/ 125 ، والبيت بلا نسبة في رصف المباني ص 418 ، ولسان العرب (روح) .