{فَذَرْنِى وَمَن يُكَذّبُ بهذا الحديث} أي إذا كان حالهم ما سمعت فكل من يكذب بالقرآن إلى واستكفنيه فإن في ما يفرغ بالك ويخلي همك وهو من بليغ الكلام يفيد أن المتكلم واثق بأنه يتمكن من الوفاء بأقصى ما يدور حول أمنية المخاطب وبما يزيد عليه وقد حققه جار الله بما حاصله أن من استكفى أحداً ترك الأمر إليه وإلا كان استعانة لا استكفاء فأقيم الرادف أعني التخلية وأن يذره وإياه مقام الاستكفاء مبالغة وإنباء عن الكفاية البالغة كيف وهذا الكافي طلب الاستكفاء بقوله ذرني وأبرز ترك الاستكفاء في صورة المنع مبالغة على مبالغة فلو لم يكن شديد الوثوق بتمكنه من الوفاء أقصى التمكن وفوق ما يحوم حول خاطر المستكفي لما كان للطلب على هذا الوجه الأبلغ وجه ومن في موضع نصب إما عطفاً على المنصوب في ذرني أو على أنه مفعول معه وقوله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُم} استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب المستفاد من الكلام السابق إجمالاً والضمير لمن والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد في يكذب باعتبار لفظها أي سنستنزلهم إلى العذاب درجة فدرجة بالإمهال وإدامة الصحة وازدياد النعمة {مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} أنه استدراج بل يزعمون أن ذلك إيثار لهم وتفضل على المؤمنين مع أنه سبب لهلاكهم.
{وَأُمْلِى لَهُمْ} وأمهلهم ليزدادوا إثماً وهم يزعمون أن ذلك لإرادة الخير بهم {إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ} لا يدفع بشيء وتسمية ذلك كيداً وهو ضرب من الاحتيال لكونه في صورته حيث إنه سبحانه يفعل معهم ما هو نفع لهم ظاهراً ومراده عز وجل به الضرر لما علم من خبث جبلتهم وتماديهم في الكفر والكفران.
{أَمْ تَسْئَلُهُمْ} على الإبلاغ والإرشاد {أَجْراً} دنيوياً {فَهُمُ} لأجل ذلك {مّن مَّغْرَمٍ} أي غرامة مالية {مُّثْقَلُونَ} مكلفون حملاً ثقيلاً فيعرضون عنك وهذه الجملة على ما قاله ابن الشيخ معطوفة على قوله تعالى {أم لهم شركاء}