بعد بيان ما عليه الرسول صلّى الله عليه وسلّم من كمال الدين والخلق، بيّن ما عليه الكفار من الأخلاق الذميمة، والدعوة إلى التشدد معهم ومخالفتهم، مع قلة عدد المؤمنين، وكثرة الكفار.
التفسير والبيان:
فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ أي داوم على مخالفة الكفار المكذبين لرسالتك، وتشدد في ذلك. وهذا نهي صريح من الله سبحانه عن ملاينة المشركين رؤساء مكة لأنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه، فنهاه الله عن طاعتهم أو مجاملتهم في شيء من العقيدة بقصد ترغيبهم في الإسلام. والمراد من النهي: التحميس والتهييج والتشدد في مخالفتهم. قال المفسرون: إن المشركين أرادوا من النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يعبد الله مدة وآلهتهم مدة، وهم يعبدون الله مدة، وآلهتهم مدة، فأنزل الله تعالى: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ.
وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ أي تمنوا لو تلين لهم، فيلينون لك، بأن تركن إلى آلهتهم، وتقربها، وتترك ما أنت عليه من الحق، فيعترفون بعبادة إلهك.
ونظير الآية: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ، لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا، إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً [الإسراء 17/ 74 - 75] .
ثم خصص تعالى من جميع المكذبين الكفار من اتصف بالأوصاف المذمومة العشرة التالي، غير الكفر، فقال:
1 -2: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ أي ولا تطع كل شخص كثير الحلف بالباطل حقير الرأي والفكر. ومثله قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ [البقرة 2/ 224] . وفيه إشارة إلى أن عزّة النفس منوطة بتصحيح نسبة العبودية، ومهانة النفس مربوطة بالغفلة عن سرّ الربوبية، وأيضا الحلاف يكذب كثيرا، والكذاب حقير عند الناس.
3 -4: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ أي عيّاب طعّان يذكر الناس بالشرّ في وجوههم، يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم. أما اللمّاز: فهو الذي يذكر الناس في مغيبهم.
روى الجماعة إلا ابن ماجه عن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لا يدخل الجنة قتّات»
أي نمام.