فقالوا في تناديهم: أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ أي: قال بعضهم لبعض: هيا بنا لنذهب إلى بستاننا لكي نقطع ما فيه من ثمار في هذا الوقت المبكر، حتى لا يرانا أحد، إذ الغدو هو الخروج إلى المكان في غدوة النهار. أي: في أوله.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: هلا قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى «على» ؟.
قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه ويقطعوه: كان غدوا عليه، كما تقول: غدا عليهم العدو. ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال، كقولهم: يغدى عليه بالجفنة ويراح. أي:
فأقبلوا على حرثكم باكرين .. .
وجواب الشرط في قوله: إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ محذوف لدلالة ما قبله عليه. أي: إن كنتم صارمين فاغدوا فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ أي: فانطلقوا مسرعين نحو جنتهم وهم يتسارّون فيما بينهم، إذ التخافت: تفاعل من خفت فلان في كلامه، إذا نطق به بصوت منخفض لا يكاد يسمع.
وجملة: أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ مفسرة لما قبلها لأن التخافت فيه معنى القول دون حروفه أي: انطلقوا يتخافتون وهم يقولون فيما بينهم: احذروا أن يدخل جنتكم اليوم وأنتم تقطعون ثمارها أحد من المساكين.
وجملة: «وغدوا على حرد قادرين» حالية. والحرد: القصد. يقال: فلان حرد فلان - من باب ضرب - أي: قصد قصده.
قال الإمام الشوكاني: الحرد يكون بمعنى المنع والقصد .. لأن القاصد إلى الشيء حارد.
يقال: حرد يحرد إذا قصد .. وقال أبو عبيدة: عَلى حَرْدٍ أي: على منع، من قولهم:
حردت الإبل حردا، إذا قلت ألبانها. والحرود من الإبل: القليلة اللبن .. وقال السدى:
عَلى حَرْدٍ: أي: على غضب .. وقال الحسن: على حرد، أي: على حاجة وفاقة.
وقيل: عَلى حَرْدٍ أي: على انفراد. يقال: حرد يحرد حردا، إذا تنحى عن قومه، ونزل منفردا عنهم دون أن يخالطهم ..
أي: أن أصحاب الجنة ساروا إليها غدوة، على أمر قد قصدوه وبيتوه .. موقنين أنهم قادرون على تنفيذه، لأنهم قد اتخذوا له جميع وسائله، من الكتمان والتبكير والبعد عن أعين المساكين.