17 - {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ} أي: إنَّا نحن ابتلينا وامتحنا كفار مكة بالقحط والجوع. والابتلاء: الاختبار. وهذا كلام مرتب على محذوف تقديره: أعطينا أهل مكة الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا ابتليناهم بالجوع والقحط سبع سنين بدعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أكلوا الجيف والجلود والعظام والدم لتمردهم وكفرانهم نعم الله تعالى. {كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} أي: ابتلاء مثل ابتلاء أصحاب الجنة المعروف. خبرها عندهم، واللام في الجنة للعهد، والكاف في موضع النصب على أنها نعت لمصدر محذوف، و {ما} مصدرية. والجنة: البستان، وأصحاب الجنة: قوم من أهل صنعاء اليمن، وذلك أنّها كانت بأرض اليمن على فرسخين من صنعاء لرجل يؤدي حقَّ الله منها، فمات وصارت إلى أولاده فمنعوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها. قال الواحدي: هم قوم من ثقيف، كانوا باليمن مسلمين، ورثوا من أبيهم ضيعة فيها جنات وزروع ونخيل، وكان أبوهم يجعل مما فيها من كل شيء حظًّا للمساكين عند الحصاد والصرام، فقال بنوه: المال قليل والعيال كثير، ولا يسعنا أن نفعل كما كان يفعل أبونا، وعزموا على حرمان المساكين، فصارت عاقبتهم إلى ما قص الله سبحانه في كتابه. قال الكلبي: كان بينهم وبين صنعاء فرسخان، ابتلاهم الله تعالى أن حرق جنتهم. وقيل: هي جنة كانت بصوران وصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى بيسير.
وقوله: {إِذْ أَقْسَمُوا} وحلفوا. ظرف لبلونا {لَيَصْرِمُنَّهَا} ؛ أي: والله ليصرمن ثمارها من الرطب والعنب، ويقطعنها، ويجمعن محصولها من الزرع وغيره {مُصْبِحِينَ} ؛ أي: حال كونهم داخلين في الصباح مبكرين إليها، وسواد الليل باق. و {يصرمنها} جواب القسم، و {مُصْبِحِينَ} حال من فاعل {يصرمنها} وجاء جواب القسم على خلاف منطوقهم، ولو جاء على منطوقهم .. لقيل: لنصرمنها بنون التكلم.
18 - {وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) } ؛ أي: لا يقولون: إن شاء الله. وتسميته استثناء مع أنه شرط من حيث إن مؤداه مؤدى الاستثناء، فإن قولك: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا إن شاء الله بمعنى واحد، والجملة مستأنفة، أو حال بعد حال.