وقال أبو إسحاق: لما كان الوقت الذي اعتدوا فيه في أول الصبح بسدفة غدوا إلى جنتهم ليصرموها. {وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ} واختلفوا في تفسير الحرد. والحرد في اللغة يكون على معان. الحرد: المنع، من قولهم: حاردت السنة إذا قل مطرها ومنعت ريعها. وحاردت الناقة إذا منعت لبنها وقيل اللبن. ومنه قول الأعشى:
فإذا ما بكؤت أو حاردتْ ... فك عن حاجب أخرى طينها
والحرد: القصد؛ ومنه قول الهذلي:
أقبل سيلٌ كان من أمرِ الله ... يحرِد حَرْد الجنَّة المُغَلَّهْ
وأنشد أبو عبيدة:
أما إذا أحردت حردي فمجرية ... ضبطاء تمنع غيلًا غير مقروب
والحرد: الغضب. وهما لغتان الحَرْدُ، والحَرَدُ؛ والتحريك أكثر. وأنشد أبو عبيدة:
أسود شرًى لاقت أسود خفية ... تساقوا على حرد وماء الأساود
هذا الذي ذكرنا هو قول جميع أهل اللغة في تفسير الحرد. وأقوال المفسرين غير خارجة عن هذه المعاني. قال قتادة: على جد من أمرهم.
وقال مقاتل: جد في أنفسهم.
وقال الكلبي: غدوا جادين. وهو قول أبي العالية والحسن ومجاهد في رواية أبي بشر. وهذا من معنى القصد، وذلك أن المقاصد إلى الشيء جاد بخلاف من لا يكون له قصد في أمر، على أن الليث قد قال في كتابه: على جد من أمرهم. فقال الأزهري: الصواب على حد. أي على منع، كما قال الفراء. ثم ذكر بإسناده عن الفراء بالحاء.
ويدل على صحة معنى هذا القول أن أبا عبيدة والمبرد والقتيبي قالوا في معنى الحرد هاهنا: إنه المنع. أي: غدوا من بيتهم إلى جنتهم على منع المساكين ما كانوا يعطونه.
وقال مجاهد وعكرمة: على أمر أسسوه بينهم. وهذا من معنى القصد أيضًا.
وقال الشعبي: على حرد على المساكين، وهو قول سفيان؛ قال: على حنق وغضب.