وأما الحاجبان: فإنه يقال فيهما أن القرن دليل على ضيق الخلق، وأن البلج دليل على سعة الخلق، والأخبار كلها سوى خبر أم معبد - ناطقة بأن المصطفى - صلى الله عليه وسلّم - كان أبلج، ويجوز أن يكون البلج يخفى عن الناظر من بعد ولا يدركه، لا سيما إن كان يسيراً، أو من القرن قريباً، وأكثر صفاته - صلى الله عليه وسلّم - أنه مائل إلى الاعتدال كشعره وقامته.
فلعل حاجبيه كانا بين القرن والبلج.
وقالوا: من كان واسع الفم، فهو فم شجاع، وقالوا: اعتدال الفم دليل على الفهم والعقل والحياء، وجاء أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - كان ضلع الفم، فإذا كان الضلع الكبير فهو الواسع الذي هو القول عليه.
وإذا كان الضليع التام ليس إلى العظيم أقرب منه إلى الصغير، فهو الذي حكينا قولهم فيه، وقد فسرنا هذا اللفظ بالمعنيين جميعاً.
وأما الرأس: فقد قالوا أن أعظم الرأس واستواءه ما لم يفرط دليل على ارتفاع الهمة وحسن الفهم.
وأما الصدر.
والأكتاف، فإنهم قالوا: استواء الصدر واتساع جوفه يدل على حسن العقل وكثرة العلم.
وأما ضخامة الكراديس وهي ضخامة عظم المنكبين والمرفقين والركبتين والكتف فإنهم قالوا: إن ذلك دليل الشدة والقوة.
وأما طول اليدين: فإنهم قالوا أنه يدل على حسن السيرة وقلة السوء وملء النفس وعظم الهمة.
وقالوا: طول العضد يدل على بعد الهمة.
وقالوا: كثرة لحم العضد والساعد يدل على سوء الحفظ وبطئ التعلم.
والنبي - صلى الله عليه وسلّم - يجل عن كل وصف مسترذل ما كان، فلا يحل ذكره به ولا إطلاقه عليه.
فإن ذهب وهم واهم إلى تحقيق هاتين الصفتين له عليه السلام لما خاطبه الله تعالى من قوله: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} وقوله: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} قلنا إن كان لضنه بالقرآن وإشفاقه عليه من أن ينساه بتلقي الوحي باستعجال، فيحرك به لسانه ويعيده قبل أن ينقضي على نفسه، فآمنه الله تعالى مما كان يخافه، ونهاه عن العجلة، وأمره أن يدعوه، فيقول: {رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} فلا يقول: أنه كان يسيء الحفظ ويبطئ التعلم.
والذين قالوا هذا لم يعنوا به نبينا، وإنما قالوا ذلك على الجملة.
وجاء في الحديث: استواء البطن والصدر مع انتصاب القامة وقوة المفاصل والأصابع علامات الشجاعة.