فإن قيل: فقد ضرب رقاب بني قريظة صبرا في يوم أحد وهم نحو سبعمائة فأين موضع العفو والصفح وقد انتقم انتقام من لم يعطفه عليهم رحمة ولا داخلته لهم رقة.
قيل: إنما فعل ذلك في حقوق الله تعالى وقد كانت بنو قريظة رضوا بتحكيم سعد بن معاذ عليهم فحكم أن من جرت عليه الموسى قتل ومن لم تجر عليه استرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا حكم الله من فوق سبعة أرقعة فلم يجز أن يعفو عن حق وجب الله تعالى عليهم، وإنما يختص عفوه بحق نفسه» .
(سخاؤه وجوده صلى الله عليه وسلم)
الخصلة الثامنة: ما منح من السخاء والجود حتى جاد بكل موجود وآثر بكل مطلوب ومحبوب ومات ودرعه مرهونة عند يهودي على آصع من شعير لطعام أهله وقد ملك جزيرة العرب وكان فيها ملوك وأقيال لهم خزائن وأموال يقتنونها زخرا ويتباهون بها فخرا ويستمتعون بها أشرا وبطرا وقد حاز ملك جميعهم، فما اقتنى دينارا ولا درهما، لا يأكل إلّا الخشب ولا يلبس إلّا الخشن ويعطي الجزل الخطير ويصل الجم الغفير ويتجرع مرارة الإقلال ويصبر على سغب الاختلال وقد حاز غنائم هوازن وهي من السبي ستة آلاف رأس ومن الإبل أربعة وعشرون ألف بعير ومن الغنم أربعون ألف شاة ومن الفضة أربعة آلاف أوقية. فجاد بجميع حقه وعاد خلوا.
وروى أبو وائل عن مسروق عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء. وروى عمرو بن مرة عن سويد بن الحرث عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ما يسرني أن لي أحدا ذهبا أنفقه في سبيل الله أموت يوم أموت وعندي منه دينار إلّا أن أعده لغريم» .
وكان صلى الله عليه وسلم إذا سئل وهو معدم وعد ولم يرد وانتظر ما يفتح الله.