وروى الدينوري في"المجالسة"عن وهب قال: قرأت في مزامير داود عليه السلام: هل تدري من أغفر له من عبادي؟ الذي إذا أذنب ذنبا ارتعدت فرائصه وأعضاؤه، فذلك الذي آمر ملائكتي أن لا تكتب عليه ذلك الذنب.
وقولنا: (من حيث إنه ذنب) احتراز عما لو ندم على الذنب لمعنًى آخر؛ كان يندم على شرب الخمر لإضرارها ببدنه أو ماله، أو على الزنا لحيائه من الناس وهتك ستره عليهم، وفضيحته عندهم، لا للخوف من الله تعالى ومن عقوبته؛ فإن ذلك الندم لا ينفعه.
ولو ترك الذنب، وعزم أن لا يعود إليه، ولم يندم على ارتكابه فيما سلف لم يكن تائبًا لأنَّ عدم ندمه على ذنبه دليل على قلة حيائه من الله تعالى، وعدم مبالاته بوعيده، وجرأته على الله تعالى.
وقد روى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَذْنَبَ وَهُوَ يَضْحَكُ دَخَلَ النَّارَ وَهُوَ يَبْكِيْ".
وروى الطبراني، وأبو نعيم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضًا، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أَوْحَىْ اللهُ تَعَالَىْ إِلَىْ مُوْسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ: إِنَّكَ لَنْ تتَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشَيْءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الرّضَا بِقَضَائِيْ، وَلَنْ تَعْمَلَ عَمَلاً أَحْبَطُ لِحَسَنَاتِكَ مِنَ الكِبْرِ: يَا مُوْسَىْ! لاَ تَضْرع لأَهْلِ الدُّنْيَا فَأَسْخَطُ عَلَيْكَ، وَلا تَخَفْ بِدِيْنكَ لِدُنْيَاهُمْ فَأُغْلِقَ عَلَيْكَ أَبْوَابَ رَحْمَتِيْ، يَا مُوْسَى! قُلْ لِلْمُذْنِبِيْنَ النَّادمِيْنَ: أَبْشِرُوْا، وَقُلْ لِلْعَامِلِيْنَ الْمُعْجَبِيْنَ: اخْسَرُوْا".
وتقدم من حديثه:"النَّادِمُ يَنْتَظِرُ مِنَ اللهِ الرَّحْمَةَ، والْمُعْجَبُ يَنْتَظِرُ الْمَقْتَ".
وقال سَرِي السَّقَطي، وسهل التستري رحمهما الله تعالى: التوبة أن لا تنسى ذنبك.
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: التوبة النصوح أن
يكون الذنب بين عينيه ولا يزال كأنه ينظر إليه.
وهذا من هؤلاء الشيوخ إشارة إلى الندم.