في الحديث أنَّ دخول الجنة سبب التوبة، والتوبة إنما تكون من بعد الذنب.
وفي المثل: لا توبة إلا من بعد معصية، فهو سببها.
والذنب يتسبب عنه أمران:
التوبة: وهي من أبواب السعادة.
والإصرار: وهو من أبواب الشقاوة.
والتوبة طريق آدم عليه السلام، والإصرار طريق الشيطان.
ومما يناسب ما تقرَّر أن الذنب قد يكون سببًا لدخول الجنة، وللسعادة والخير: ما رواه أبو نعيم عن سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى أنَّه قال: لا يذنب المؤمن ذنباً حتى يكتسب معه خمسين حسنة.
فقيل له: يا أبا محمَّد! وكيف هذا؟
قال: نعم يا دوست! إنَّ المؤمن لا يكتسب سيئة إلا وهو يخاف العقوبة عليها, ولو لم يكن هكذا لم يكن مؤمنًا.
قال: وخوف العقاب عليها حسنة، ويرجو غفران الله لها، ورجاؤه لغفرانه حسنة، وهو يرى التوبة منها, ولو لم يرها لم يكن مؤمناً، ورؤية التوبة منها حسنة، ويكره الدلالة عليها, ولو لم يكره الدلالة عليها لم يكن مؤمنًا، وكراهية الدلالة عليها حسنة.
-كأنَّه أراد بالدلالة اطلاع الناس عليه وهو مقيم على الذنب، أو أن يدل عليه وهو كذلك -.
قال: ويكره الموت عليها, ولو لم يكره الموت عليها لم يكن مؤمناً، وكراهية الموت عليها حسنة.
وهذه خمس حسنات، وهي بخمسين حسنة؛ الحسنة بعشر أمثالها.
قال: فهذه خمسون حسنة؛ فما ظنكُم بسيئة يعتورها خمسون حسنة، ويحيط بها، والله يقول: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [سورة هود: 114] ؟
وما ظنكم بثعلب بين خمسين كلباً، أليس يمزقونه؟
ثم بكى سهل، وقال: لا تحدثوا بهذا الجهال من الناس يتكلوا ويغتروا؛ فإنَّ هذه السيئة هي شيء عليه، وحسناته هي أشياء له، وما عليه فلله أن يأخذه به ويكون عادلاً بعقوبته عليه، وما له لا يظلمه الله عز وجل إيَّاه،
بل يوفيه ثوابه ولو بعد حين، ومن يصبر على نار جهنم ساعة واحدة؟
ولكن بادروا بالتوبة من هذه السيئة حتى تأمَنُوا العقوبة عليها، وتصيروا أحبَّاء الله؛ فإنَّ الله يحبُّ التوابين.
قلت: وهذه المعرفة التي أُلهمها سهل - رضي الله عنه - منتزعها من قوله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنتهُ وَسَاءَتْهُ سَيئتهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ".