وروى الأزرقي في"تاريخ مكة"، والطبراني في"الكبير"، والبيهقي في"الدعوات"، وابن عساكر عن بريدة رضي الله تعالى عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لَمَّا أَهْبَطَ اللهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلى الأَرْضِ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَينِ، ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ سِرِّيَ وَعَلانِيَتي فَاقْبَلْ مَعْذِرَتيْ، وَتَعْلَمُ حَاجَتيْ فَأَعْطِنيْ سُؤْليْ، وَتَعْلَمُ مَا عِنْدِيْ - وفي رواية: وَمَا فيْ نَفْسِيْ - فَاغْفِرْ ليْ ذُنُوْبيْ، أَسْألكَ إِيمَاناً يُبَاشِرُ قَلْبيْ، وَيَقِيْنًا صَادِقًا حَتَّى أَعْلَمَ أَنَّهُ لاَ يُصِيْبُنيْ إِلاَّ مَا كَتَبْتَ ليْ، وَرِضًا بِقَضَائِكَ؛ فَأَوْحَىْ اللهُ تَعَالىْ إِلَيْهِ: يَا آدَمُ! إِنَّهُ قَدْ دَعَوْتَنيْ بِدُعَاءٍ اسْتَجَبْتُ لَكَ فِيْهِ، وَغَفَرْتُ ذُنُوْبَكَ، وَفَرَّجْتُ هُمُوْمَكَ وَغُمُوْمَكَ، وَلَنْ يَدْعُوَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ ذُرِّيَتِكَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ إِلاَّ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِهِ، وَنَزَعْتُ فَقْرَهُ مِنْ بَينِ عَيْنَيْهِ، وَاتَّجَرْتُ لَهُ وَرَاءَ كُلِّ تَاجِرٍ، وَأتتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَة وَإِنْ"
لَمْ يُرِدهَا"."
فانظر توبة آدم عليه السلام واستغفاره واعتذاره كيف كانت سبباً لبقائه في دنياه ممتَّعاً بما أوتيه فيها، منعَّماً بطاعة ربه حتى لحق به، سالماً من العجب، فالذنب الذي آخره توبة وندم وإقلاع واستغفار واعتذار خير من العبادة المقرونة بإعجاب وإدلال واعتزاز.
ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لَوْ لَمْ تُذْنِبُوْا لَخِفْتُ عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ: الْعُجْبَ الْعُجْبَ".
رواه البيهقي في"الشعب"عن أنس رضي الله تعالى عنه.
وأخرجه الديلمي بنحوه من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه.
ومتى علم العبد أنه وإن جاء بكل طاعة فلا يقوم بما يستحقه الله عليه، وأن ما قدر عليه من ذلك لا حول له فيه ولا قوة إلا بالله تعالى تخلَّص من العجب، وسلم منه؛ لأنه حينئذ ينكسر بالتقصير، ويلزم الذلة والافتقار، وبذلك سعادته وفلاحه، وخيره ونجاحه.