وقيل: لا يكون المريد مريداً حتى لا يكتب عليه صاحب الشمال شيئاً عشرين سنة، ولا يلزم من هذا وجود العصمة ولكن الصادق التائب في النادر إذا ابتلي بذنب ينمحي أثر الذنب من باطنه في ألطف ساعة لوجود الندم في باطنه على ذلك، والندم توبة فلا يكتب عليه صاحب الشمال شيئاً؛ فإذا تاب توبة نصوحاً ثم زهد في الدنيا حتى لا يهتم في غدائه لعشائه ولا في عشائه لغدائه ولا يرى الادخار، ولا يكون له تعلق هم بغد، فقد جمع في هذا الزهد، والفقر، والزهد أفضل من الفقر، وهو فقر وزيادة، لأن الفقير عادم للشيء اضطراراً، والزاهد تارك للشيء اختياراً، وزهده يحقق توكله، وتوكله يحقق رضاه، ورضاه يحقق الصبر، وصبره يحقق حبس النفس وصدق المجاهدة وحبس النفس لله يحقق خوفه، وخوفه يحقق رجاءه ويجمع بالتوبة والزهد كل المقامات.
والزهد والتوبة إذا اجتمعا مع صحة الإيمان وعقوده وشروطه يعوز هذه الثلاثة رابع به تمامها وهو دوام العمل، لأنّ الأحوال السنية ينكشف بعضها بهذه الثلاثة، وتيسير بعضها متوقف على وجود الرابع وهو دوام العمل. وكثير من الزهاد المتحققين بالزهد المستقيمين في التوبة تخلفوا عن كثير من سني الأحوال لتخلفهم عن هذا الرابع، ولا يراد الزهد في الدنيا إلا لكمال الفراغ المستعان به على إدامة العمل لله تعالى. والعمل لله: أن يكون العبد لا يزال ذاكراً أو تالياً أو مصلياً أو مراقباً، لا يشغله عن هذه إلا واجب شرعي أو مهم لا بد منه طبيعي، فإذا استولى العمل القلبي على القلب مع وجود الشغل الذي أداه إليه حكم الشرع لا يفتر باطنه عن العمل، فإذا كان مع الزهد والتقوى متمسكاً بدوام العمل فقد أكمل الفضل وما آلى جهداً في العبودية.
قال أبو بكر الوراق: من خرج من قالب العبودية صنع به ما يصنع بالآبق.
وسئل سهل بن عبد الله التستري: أي نزلة إذا قام العبد بها قام مقام العبودية؟ قال: إذا ترك التدبير والاختيار.
فإذا تحقق العبد بالتوبة والزهد ودوام العمل لله يشغله وقته الحاضر عن وقته الآتي ويصل إلى مقام ترك التدبير والاختيار، ثم يصل إلى أن يملك الاختيار، فيكون اختياره من اختيار الله تعالى لزوال هواه ووفور علمه وانقطاع مادة الجهل عن باطنه.